« Tunisie: Ettajdid vise la création d'une coalition laïque | Page d'accueil | الممرضات والعقيد »

29.07.2007

الممرضات والعقيد

يصلح هذا العنوان لرواية خيالية، فالعقيد تفوّق على جميع نظرائه من الحكّام العرب، في القدرة على تجاوز الخيال. من محاولاته الفلسفية في "الكتاب الأخضر"، الى مجموعته القصصية، الى جنوحه الافريقي، فإلى خيمته وابله والى آخره...

الرجل الذي يحكم ليبيا منذ اعوام لا تحصى، لا يملّ من العروض الممسرحة. فهو لا يستطيع اخلاء المشهد، كأنه اصيب بإدمان على السلطة والشهرة، وصار اسير صورته التي لا يرى سواها. مشكلته ان خريفه ليس بطريركيا، على الطريقة الماركيزية. فقد انحدر العقيد من الواقعية السحرية التي تلفّع بها في كتابه الأخضر، الى مستوى القصص البوليسية الرديئة التي يعرف القارئ نهايتها منذ السطر الأول. انفضّ عنه سيل المثقفين العرب الذين دبّجوا المدائح لمحاولته الفلسفية التافهة، ولم يستطع ان ينجح في التحول من فيلسوف الى كاتب قصصي، فذهبت مجموعته القصصية هباء، وخاف من مصير زميله الروائي صدام حسين، فتوقف عن الكتابة، وارتضى الخنوع، وقام ببهدلة كل شيء في بلاده، وانتهت به الحال الى شرشحة القضاء في مسألة الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني.

لا نستطيع ان نسأل العقيد من عقّده على بلاده، فهو ابن اللعبة الانقلابية، التي تحولت بعد غياب جمال عبد الناصر الى مرض العرب الأول، لكن يحق لنا ان نسأل المثقفين والمثقفات العرب، الذين كانت تمتلئ بهم اروقة المؤتمرات في طرابلس الغرب، ماذا حل بثقافتهم، وكيف لا يخجلون من مواصلة بيع البضاعة نفسها؟


بعد فضيحة لوكربي، جاءت فضيحة الممرضات. في لوكربي بيّض النظام الليبي سمعته بالأموال التي دفعت الى اهل الضحايا، اما في قضية الممرضات فقام ببيع كرامته، واثبت للعالم ان النظام القضائي العربي لا علاقة له بالقضاء. فإذا كان الطبيب الفلسطيني والممرضات البلغاريات ارتكبوا جريمة الايدز في حق اربعمئة طفل ليبي فإن العفو عنهم اهانة للضحايا، اما اذا كانوا ابرياء، وهذا ما رجّحه الجميع، فإن الفيلم القضائي الطويل كان محاولة للتغطية على الفساد في النظام الطبي الليبي. وفي الحالين، فإن الطائرة الرئاسية الفرنسية التي اقلّت الممرضات الى الحرية، اكبر ادانة توجَّه الى القضاء في بلاد العرب.

صحيح ان تعويضات دفعت، لكن ما لا يعلمه العقيد واصدقاؤه في الخليج ان المال لا يردّ كرامة، وهو ليس تعويضا عن حياة. وان هناك مسؤولية قانونية وجزائية في قضية الاطفال تمت لفلفتها بالمال النفطي، وان توحيش العالم العربي واخراجه من التاريخ والجغرافيا بلغا مرحلة متقدمة.

يقدّم القذافي صورة كاريكاتورية عن النظام العربي برمته. قضية الممرضات البلغاريات لا تختلف كثيرا عن الاخراج السوريالي الذي قامت به سلطة "حماس" في غزة من اجل اطلاق سراح الصحافي البريطاني الان جونستون الذي احتجزه "جيش الاسلام" في غزة مئة وثلاثة عشر يوما. اذ جرى الاحتكام الى الشيخ سليمان الداية الذي افتى بوجوب اطلاق الصحافي البريطاني! هل كانت "حماس" في حاجة الى الفتوى؟ لماذا انتظر المفتي كل هذه المدة؟ وما علاقة المفتي المذكور بوزير الخارجية السوري الذي اعلم البريطانيين بإطلاق سراح الصحافي؟

ثم تأتي حكاية المناضل السوري احمد المير الذي يُستجوَب ويُحاكَم في سوريا بتهمة الاتصال بالنائب الياس عطالله من اجل التعزية بالشهيد جورج حاوي!

هذا من دون ان ننسى حالات الطوارئ المزمنة، وجماعات الأمر بالمعروف، وامتهان فكرة العدالة في عالم عربي يعوم على النفط.

عدالة العقداء والجنرالات القاتلة، لا تختلف كثيرا عن العدالة الاميركية التي حولت سجن ابو غريب العراقي الى بورنوغرافيا دموية، قبل ان يتخذ اعدام صدام حسين شكل انتقام طائفي بغيض لا علاقة له بفكرة العدالة.
المسار توحيشي، والهدف تحويل المنطقة العربية رجل اميركا المريض في العالم، كي تصطفل به الآلة القمعية الاسرائيلية.

لم يكتف النظام الليبي بإدانة نفسه، بل ادان النظام العربي بأسره، واظهر كيف تكون النهايات مزيجا من التراجيديا والتهريج.

الجنرال العربي لا يملك السلطة إلا لأنه مهرّج. وتهريجه دموي في غالب الأحيان، وهو لا يُضحك العالم، لكنه يعطي القرار الاميركي بتهميش العرب كل مبرراته.

رواية بلا مؤلف. لقد قتل الديكتاتور المؤلف، وها هو يجلس اليوم على حافة شيخوخته وشيخوخة نظامه وحوله مقالات المدح وقصائد التزلف، لكنه سئم كل شيء، ولم يسأم السلطة.

لا يحيّرني العقيد او الجنرال، لكن يحيّرني من لا يزال يعتقد ان عقيدا او جنرالا مهووسا بالسلطة يستطيع ان يشكل علامة امل واحدة. واكثر ما يحيّرني هو المثقف الذي يخدع نفسه، ويصفق للديكتاتور او الاصولي او وحش السلطة، معتقدا ان هذا النوع من القادة يستطيع مواجهة عدو او بناء استقلال بلد.

اعتقد القذافي يوما انه صاحب النظرية الثالثة، وصدّق نفسه، وانتشى بالتصفيق. بعده جاء طوني بلير بنظريته عن الطريق الثالث. الأول لا يرى سوى مراياه، لذا صدّق كذبته، والثاني آتٍ من تراث ديموقراطي منعه من تصديق كذبته. لا يزال الاول يعتقد نفسه مخلّصا لأمته، حتى وهو يعفّر جبينه بالتراب امام الدول العظمى، اما الثاني فاكتشف ان الصحافة البريطانية كانت على حق عندما اطلقت عليه لقب كلب بوش الاليف، فقرر ان يتابع مهنته الجديدة الى النهاية.

غناء كأنه عواء، وعواء يدعو الى السلام!

وفي الحالين لا نملك سوى ان نردد مع الشاعر:

 اذا رأيت الكلب في ايام دولته
فاصنع لرجليك اطواقا من الزردِ
واعلم بأن عليك العار تلبسه
من عضة الكلب لا من عضة الأسدِ

 

الياس خوري – جريدة النهار  الأحد 29 تموز 2007 - السنة 74 - العدد 23078

:

Les commentaires sont fermés.