« مذكرات لزمن الرعية: الظل و الصورة | Page d'accueil | منظمة الدفاع عن المستهلك: صيغة لتمكين بعض الأعضاء من الترشح لعضوية المكتب الوطني »
27.10.2007
حول العائلات الإقتصادية و مستقبل الديموقراطية في تونس
الحديث الذي أوردته و كالة قدس بريس على لساني تم عن طريق الهاتف و قد اجتهد الأخ عادل الحامدي مشكورا على تلخيصه على النحو الذي ورد عليه. وقد ورد التعليق عليه بشكل أعتقد أنه من الفائدة توضيحه دفعا للحوار و إزالة لكل إلتباس.
* * *
بالنسبة للنقطة التي قمت بإثارتها (حول التبعات السياسية للتحولات الحاصلة في مستوى البنية الإقتصادية) كان القصد من التعرض لها القول أن التحديات الحقيقية التي ستواجه أي مجموعة سياسية تحاول أن تتموقع كبديل للسلطة في إطار النظام الديموقراطي التعددي الذي نناضل من أجله ستكون تحديات إقتصادية قبل كل شيء لأن مقياس نجاح أي سلطة يتحدد أساسا بتوفقها في جلب مزيد الرخاء لشعبها. و أن على المعارضة أن تعطي هذا المجال ما يستحقه من حيز في إطار إهتماماتها و أن لا تتقوقع حول بديهيات سياسية هي استحقاقات لا مجال للحديث عن عملية ديموقراطية بدونها و باعتبار أني ممن يعتقدون أن هذه الإستحقاقات ستتحقق لا محالة و في آجال معقولة فإني أرى أن بعض الأحزاب إن لم تبادر بالإنفتاح على هذه الإهتمامات ستجد نفسها في وضع لم تتهيأ له و ستكون نتيجته على حساب الوزن الذي يمكن أن تحصل عليه من خلال أي عملية ديموقراطية حقيقية. و هذا التمشي موجود داخل الحزب الديموقراطي التقدمي و هو الموضوع المركزي للجدل الدائر داخله بين شقيه و ليس كما يصوره البعض تنازع حول الإنفتاح على السلطة القائمة فحسب.
وحتى أجيب على المؤاخذة بأكثر دقة بشأن ظاهرة العائلات الإقتصادية. لابد من التوضيح أولا أن الظاهرة ليست غريبة و لا غير مألوفة، فكل البلدان التي مرت بمراحل الحكم الشمولي و الإستبداد السياسي اقترنت فيها هذه المرحلة بما يعرف بالتراكم الإقتصادي المركز في بعض العائلات المستفيدة من تلك المرحلة، و هذا ما حصل في تونس. شخصيا عندما أتحدث عن هذا الموضوع فإني لا أتحدث عما يتحدث عنه التعليق و الذي يخص القضاء و تطبيق القانون و إنما أتحدث عن الثروات الشرعية طبق القوانين السارية في زمن تكونها بما فيها ما يسمح لأصحابها من الإستفادة من موقعهم من السلطة.
وأهمية هذا الموضوع نابعة من خطورة انعكاساته على مجال التطور السياسي العام للبلاد و مستقبل الإقتصاد الوطني في حد ذاته:
فالظهور السريع لهذه القوى الإقتصادية يجعلها في هذه المرحلة فاقدة للإمتداد الإجتماعي و السياسي و الفكري بحيث أنها تجد نفسها رهينة لدى النظام الشمولي الذي أنتجها و لا تجد من يحميها سواه في حين أن مستقبلها و تطورها مرتبط بتطور الوضع السياسي إلى حالة ليبرالية ديموقراطية ذات قواعد واضحة و شفافة محددة سلفا تبني عليها توقعاتها و توسيع استثماراتها.
أما الإعتبار الثاني و الأهم فيتعلق حسب رأيي في خطورة مثل هذا الخطاب الذي ورد في التعليق و الذي يعطي الإنطباع عن قصد أو غير قصد بتجريم الثروة و أصحاب الثروة و الذي أثبت فشل التجارب الماركسية إفلاسه في حين أن الهدف من كل سياسة هو تحقيق شروط و مقومات الرفاه و النافذ لتحقيق الثروة لكل فرد و مقاومة الإحتكار و حماية حقوق الآخرين. لذلك فإن عملية الإنتقال من الإستبداد إلى الديموقراطية إذا لم تقترن بطمأنة الأوساط الإقتصادية و المالية سينجر عنها حتما انهيار الأستثمار و بالتالي الإقتصاد بما سيحكم بالفشل على العملية الديموقراطية حتما لأنها عوض أن تستجيب لتطلعات أفراد المجتمع في تحسين أوضاعهم ستكون وبالا عليهم.
إن المواقف السياسية لا تبنى على الأحلام و الشطحات الديماغوجية و لكنها استشراف موضوعي لمستقبل منظور على ضوء معطيات مادية ملموسة متوفرة فعلا في واقعنا لا نزيد غير البناء عليها بكل الحرص على الإستفادة منها بأكبر قدر ممكن حتى تحقق أقصى ما يمكنها أن تبلغ بنا من نتائج و أن يكون مردودها عادلا و لا تستفيد منه فئة على حساب غيرها.
بقيت ملاحظة أخيرة بشأن الإختلاف في المواقف بخصوص الإضراب عن الطعام الذي تقوم به قيادة الحزب الديموقراطي التقدمي و الذي يعكسه التقرير موضوع هذا التعليق و الذي يجدر قراءته على خلفية صراع التموقع السياسي القائم بين مختلف مكونات الساحة السياسية التونسية. و تبدو القرائة الأولية للتقرير واضحة في تحديد المواقف حيث أبدو معارضا للإضراب و للحزب الديموقراطي التقدمي بينما يبدي الشيخ راشد الغنوشي و حركة النهضة مساندة دون تحفظ له. و لكن الشيخ راشد الغنوشي بحنكته السياسية لا يكتفي بالمساندة بل يستغل المناسبة ليضع حركة النهضة " التيار الإسلامي" في موقع البديل على النظام القائم باعتباره "القوة الصاعدة" و الحزب الديموقراطي التقدمي باعتباره صاحب "الرهان الذكي" بالتموقع في مركز الحليف معها و هو بذلك يقوم بطريقة ذكية بتحجيم طموحات الأستاذ الشابي و حزبه و تذكيره بحقيقة وزنه.
و مما لا شك فيه أن أي عملية ديموقراطية حقيقية لن تتم في تونس قبل أن يفقد التجمع الدستوري موقعه "كحزب السلطة" و يتحول إلى حزب كبقية الأحزاب و هي وضعية ستجعل منه من سيدفع الثمن. كما أن الصراع المرير القائم بينه وبين الإسلاميين لا يمكن أن يخفي حقيقة أنه الأقرب إيديولوجيا و اجتماعيا لهم بحيث أن حركة النهضة ستكون المستفيد الأساسي من تحول أصوات ناخبيه التقليديين. و هذا السيناريو الذي يعرف المطلعون أنه الأقرب للواقع سيحيلنا على وضعية سياسية لا تختلف عن الوضعية الحالية باستثناء إحتلال حركة النهضة موقع التجمع الدستوري و هو ما ترفضه الأوساط العلمانية في الداخل و الأوساط الغربية في الخارج كما حصل في الجزائر مع جبهة الإنقاذ. لذلك لا بد لتهيئة الأجواء و تسهيلا لعملية التحول الديموقراطي من وجود حزب ثالث قوي قابل لموازنة حركة النهضة و قابل لأن يكون الأقدر على إستيعاب تحول الأصوات الراجعة تقليديا للتجمع و منافسا للنهضة في تلك المرحلة و ليس حليفا لها.
ورغم خلافي المعلن مع الخط الذي يمثله الأستاذ نجيب الشابي داخل حزبه فإني أعتقد أن التقدمي لو أتيح له مراجعة استراتيجيته من بين الأحزاب الأقدر على الإضطلاع بهذا الدور و أن الإضراب الأخير من هذا المنطلق زاد في تهميشه و إضعاف حضوضه و هو ما بنيت عليه موقفي منه منذ إعلانه كما أعتقد أن النتيجة الحاصلة داخليا من هذا الإضراب على مستوى فتح آفاق الإنتشار الداخلي و توسيع قاعدة الحزب تحمل من السلبيات أكثر مما أتت به من الإيجابيات.
و لككنا ننسى أحيانا أننا نعيش في ضل دكتاتورية و إنه في مثل أوضاعنا يكون الواقع مشوه و ليس من السهل تبين الصورة الحقيقية لأوضاعنا. لذلك لا تبرز لنا غالبا بوضوح الفروق بين المبادرات السياسية التي لا تشكل سوى انفعالات داخل الأزمة التي نمر بها و المبادرات الواضحة الرؤيا و التي تشكل فعلا مرتبا على خلفية واضحة بهدف الوصول إلى نتيجة مرتقبة ومحددة تؤسس و لا تقوم على المغامرة أو الحسابات الضيقة الظرفية أو الفردية.
الحوار نت - المختار اليحياوي - تونس الجمعة 19 أكتوبر 2007
01:04 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Démocratie, Groupes économiques



