« مشهد سياسي متحرّك... لكن في أي اتجاه؟ | Page d'accueil | مذكرات لزمن الرعية: الظل و الصورة »
26.10.2007
مذكرات لزمن الرعية: الظل و الصورة
يسعى نظام السابع من نوفمبر أن يجعل من الذكرى العشرين لتوليه الحكم في تونس على منوال تلك الصورة التي يقدمها عن نفسه للعالم و تلهج بها أجهزة دعايته صباحا مساءا لتذكير رعيته. و هي صورة لو صدقناه في رسمها لما بقي لنا غير التعبير بأسمى عبارات الإكبار و العرفان عن خالص شعور التأييد و الولاء و التكبير طالبين من الله عز وجل أن يديم علينا هذا العهد السعيد. بل أننا لو اتفقنا معه على صدق مضمونها لتجاوزنا ذلك للتنديد بكل ألائك المشككين المناوئين المعارضين "لتجديد الولاية لصانع التغيير و حامي الحمى و الدين" و هي الصيغة التي يستعملونها بشأن الترشح للإنتخابات الرئاسية.
هكذا يريدوننا أن نكون هم يقولون و نحن نبايع ليحكموا أو على الأقل هكذا يفكرون.
و يستحضرني في هذا المجال أبيات لشاعرنا الخالد أبو القاسم الشابي عندما يقول:
مـا كل فعل يجل الناس فاعله مجدا، فـإن الورى في رأيهم خطل
ففي التماجد تمويه، وشعـوذة، وفي الحـقيقة ما لا يدرك الدجل
ما المجد إلا ابتسامات يفيض بها فم الزمان إذا ما انسدت الحيل
و ليس بالمجد ما تشقى الحياة به فيحسد اليوم أمس ضمه الأزل
و لئن كان من حق إي نظام تقديم إنجازاته و تقييمها بالشكل الذي يرضيه فإن هذا الخطاب يخرج من دائرة العرض عندما يغلق أبواب المناقشة و المحاججة و النقد و المقارنة و التمحيص. بل أنه يتحول إلى استعراض من جانب واحد لا يلبث أن يفتتن بصورته و ينطلي عليه ما أصبح يعتقد أنه حقيقته بما ضخمه بمبالغاته و أخفاه بتكتمه حتى لا يبقى لأي ذي عقل ما يقوله له و بقدر ما ينتشر الصمت من حوله يعتقد أن الناس تصدقه و الحال إنه لم يعد يغالط سوى نفسه.
لذلك نريد فقط أن نقول و بكل تواضع و بساطة أن الصورة التي تتيحها شرفات قصر الرئاسة بقرطاج و شبابيك مكاتب برج التجمع الدستوري الديموقراطي بشارع محمد الخامس و مكاتب قصر الحكومة بالقصبة وقصر الباي في باردو ليست الصورة التي تفتح عليها منازلنا أو مواطن عملنا أو أماكن تمضية أوقات فراغنا بسبب بطالتنا. لأننا نرى من كل مواقع تواجدنا صورة مختلفة تماما، لا يمكن أن تخطئها العين المجردة.. وهي صورة صورة رمادية سوداء قاتمة لوضع ممجوج لمجتمع حكم بالعطالة و الشلل على مختلف طاقاته. و حتى يبلغ ما نعنيه بأكثر دقة يمكن أن نشبه الصورة التي أبقيتموها لنا من بلدنا بالمسودة الكربونية للصورة الحقيقية الزاهية لتونسنا و التي جعلتموها حكرا عليكم و ارتأيتم الإستحواذ عليها لخاصة أنفسكم.
لذلك لابد انكم لا تدركون ما نفهم مما تقولون لأنكم لم تعوا أننا لا نبصر ما تبصرون. و لا شك في أن ما تعودتم رؤيته على مدى عشرات السنوات من شرفات قصوركم و قلاعكم و ناطحات سحابكم حري بأن يجعلكم تتطبعون بطباع الأمراء و السلاطين الذين لا شأن لهم بحال الرعية إلا من خلال تقارير الجواسيس و المخبرين عن مدى استكانتها و خضوعها و ما تتطلبه اليقظة لكل ما من شأنه أن يجعل العصيان يدب في صفوفها. و لكنكم تريدون مع ذلك البيعة بالإنتخاب و تريدون أن يقال أنكم رؤساء و نواب و تريدون أن تجعلوا منا جمهورية. ألا يفترض نظامكم أن يكون لكم حراسكم و خدمكم و حشمكم و حاشيتكم وفيالق المتطفلين على أبوابكم و المتوسلين على أعتابكم و كل الذل و النفاق الذي يحيط بكم أينما حللتم حتى يسير كل شيء طبق توصياتكم و تعليماتكم بنا يسمح لكم بأن ترو البلاد كما رأيتم على نحو ما يذكرنا به خطابكم؟ نحن ندرك أننا لم نعد أصحاب صورة و لو رمادية مقهورة و لكننا تحولنا إلى جزء من المشهد الذي صنعه عهدكم. و عندما ندرك أننا لا يمكن أن نبلغ عليّ مقامكم و لا أن يصبح لنا ذكر مع سمو جنابكم لا شك أنكم تفهمون أننا بحاجة لإزالة الحاجز الذي تشكلون حتى نستوي جميعا في وطننا و نعيد الحياة الكريمة الهانئة التي لابد لنا أن ننعم بها ككل أفراد مجتمعنا لأن المشكلة لم تعد حول محتوى سياستكم و إنما تتعلق بجوهر و حقيقة نظامكم.
و تدركون انه عندما يصل الحال على هذا المنوال إنما نكون قد وصلنا إلى وضع تنتهي فيه الحاجة إلى عبقرية المثقفين و استراتيجيات السياسيين فهم آخر المخدوعين بتعقيدات نظرياتهم و المدركين لحقيقة أوضاع بلادهم لأننا ننتهي جميعا كما أردتم لنا أن نكون لا فرق بيننا و بين الجمهور.
لذلك لن أحدثكم هذه المرة على القضاء المقهور و العدل المهدور فقد برهنتم أن هذا ليس خطأ في سياستكم و إنما سمة أساسية من سمات عهدكم. كما لن نسألكم أن تدعونا نشارككم الحديث في ما يهم مستقبلنا و مستقبل وطننا و أن لا تجعلونا نخاف منكم عندما ننتقدكم لأننا لم نعد نرى أثرا لوجودكم في أي مستقبل يحقق كرامتنا و ينقذ من الإنهيار بلادنا و يعيد الأمل و البسمة لأبناء وطننا.
لقد حان الأوان لنترك معزوفة حقوق الإنسان فما جدوى أن نحصل منكم على حقوق بعد أن تكونوا قد سلبتم منا الإنسان الكامن فينا عدى مزيد تمجيدكم و الإنحناء لكم بالشكر على مكرمتكم لأننا في مثل تلك الحال ندرك أننا لم نعد نصلح لها أو نجد ما نفعله بها.
كيف لنا أن نواصل مطالبتكم بتمكيننا من حرية النشاط لأحزابنا و نقاباتنا و جمعياتنا حتى ننتهي قهرا و كمدا على تحويلها معاقل لمحاصرتنا و مراصد لمراقبتنا و ماذا بقي لنا نفعله بها بعد أن شطبتم حياتنا و لم يبقى مجال لغير نشاطكم و سداد رأيكم و حكمة توجيهاتكم وبعد نظركم و عظمة إنجازاتكم و جمهورية غدكم.
و أية دولة قانون و مؤسسات يمكن أن ترتجى منكم وقد حولتم البلاد منذ أول يومكم إلى ثكنة عسكرية تحكم طبق قواعد الإنظباط و تنفيذ التعليمات. ليتكم تعودون إلى بزتكم و نياشينكم فهي خير ما يليق بكم حتى يمكننا على الأقل توسل إنهاء خدمتنا الوجوبية بعد عشرين سنة من الطوارئ الأبدية أو مطالبتكم بإعلان حربكم حتى ندرك من هو العدو و ما هي القضية.
سادتي قادة العهد الجديد هل لي أن أدلكم على ما يفيدكم و يدخل في جوهر مشاغلكم. فلا زال في البلاد مجال كبير من السباخ و الأراضي السائبة مما لا يمكن أن ينازعكم فيها أحد لو رغبتم بيعها لبعض الأثرياء الأجانب المغفلين و جنيتم منها ما طاب لكم لأن غنمها سيكون لوطننا العزيز بما ستجلبه من استثمارات و تحققه من إنجازات عدى ما سينوبنا نحن بتشغيلنا خدما و مساحين لدى المعمرين القادمين من الخليجيين و الغربيين.
كما أنه لا شك لا يخفى عليكم أن تونس بفضل بركة أوليائها لا ينقبض خيرها و لا يزال فيها من المؤسسات الرابحة و المشاريع المجزية ما يغني كل عائلاتكم حتى لا تتنازعوا على الصفقات فينفض شملكم و تذهب ريحكم. و إن كنت لا أنصحكم بشركة التطهير و البالوعات و المواسير بعد أن انكشف حالها فإن شركة المياه غنيمة حقيقية و يمكن تصنيف المياه التي توزعها كمياه معدنية و بيعها بسعر القوارير بشارع بورقيبة و مقاهي المنار بحيث نحقق اقتصادا في المياه و لا تذهب أي قطرة للمواسير لتنافس فيها مياه الأمطار وقت الفيضانات و الأمطار. كذلك عليكم بشركة الكهرباء فهي مما لا غنى لأحد عن بضاعتها مهما غلا سعرها. و كما تعلمون مازال غيرها كثير...
كما أنه لا يفوتني لفت نظركم لضرورة أخذ إحتياطات حازمة لتنظيم الفوضى التي أصبحت تعم الأسواق بفعل كثرة التجار و انتشار الإزدهار. ذلك أنه خلافا لما ادعاه ابن خلدون من أن تجارة السلطان مهلكة للرعية فقد أكدت هذه الظاهرة أن تجارة السلطان يمكن أن تصبح نعمة حقيقية على الرعية بفضل أثمانها الزهيدة عدى كونها تقضي على البطالة نهائيا و تحول كل العاطلين إلى تجار ثياب مستعملة و منتصبين فوضويين و باعة متجولين بحيث نحقق التشغيل الكامل و ننافس أكثر الدول نموا في جداول إحصائيات التنمية البشرية.
هكذا تتحول السلطة إلى مدخل للمغانم و المحاصصة في نهب المال العام و تملك المؤسسات الوطنية بعقلية ربحية فردية و هو مجال مهما حاولنا تخبل ما يدور حقيقة داخله لا تلبث أن تأتي الحقيقة لتكذبنا و تعلمنا أن الواقع فات تخيلنا.
و كما تنحسر المنافسة في تسخير اقتصاد البلاد لخدمة مصالح بعض العائلات تنحسر السلطة الحقيقية بين بعض الأيدي الخفية و تغيب أهداف السياسة الحقيقية في ثنايا الأراجيف و المغالطات المسخرة لها ترسانة دعائية أهم سماتها أنها تحيل على نموذج لا عقلاني متخلف للسلطة يكرس الإنحراف و التواطؤ على التورط في استغلال النفوذ لا مخرج منه سوى تكريس الجهل و الفوضى و الديماغوجية و دحر المجتمع إلى الإستكانة و الذل و التسليم بالعدم و القدرية. حتى نصل للنموذج الذي يجعل القائمين على السلطة على منوال ما عرفته بلادنا في عصر البايات و الإستعمار من مماليك و مستعمرين أجانب عنه و لم يبقى أثر لعلاقة تربطهم به و لو أنهم من أبناء وطنه. و أي علاقة بالمجتمع يمكن أن تبقي لوزير لم يتزحزح عن الوزارة منذ عشرات السنين و يمكنه أن يشغل أي حقيبة لا فرق بين الرياضة أو التجهيز أو الخارجية أو الداخلية، مجرد مناصب تتداول فيما بينهم دون أن تكون لهم سلطة حقيقية عدى رهائن يكرسون بإمضاءاتهم كل التجاوزات و الإنتهاكات بعد أن أدركوا أنهم تورطوا و لا ملاذ لهم غير السلطة التي يستأجرون لها حماية لأنفسهم.
عندما يحل 7 نوفمبر بعد أيام تأكدوا أن الصورة التي ترونها تخدعكم حتى لا يسيل أكثر مما سال لعابكم. فتونس الخضراء جميلة فعلا و لكنها غاضبة حقا حتى لا يخدعكم سكونها طمعا في مزيد اغتصابها. و لعل ما لا تدركونه أننا صرنا على الأقل ندرك من أنتم و لم نعد ننخدع بكل ما تسرفون فيه بما تتنكرون لإخفاء حقيقتكم. لقد ضاقت دائرة السلطة الحقيقية من حولكم حتى لم يبقى فيها مجال لغير الولاء القائم على المحسوبية و القرابة العائلية فجمهورية آل من أنتم ؟
لعلكم لن تكونوا عدى "عابرين في كلام عابر" ككل المستبدين قبلكم... لأنكم لستم سوى الظل الذي يخيم على صورة تحتضر حتى صارت كل البلاد متأهبة لانقشاعه تنتظر.
المختار اليحياوي – تونس في 20 أكتوبر 2007
* الصورة لشارع الحبيب بورقيبة بعد أمطار يوم السبت 13 أكتوبر نشرتها جريدة "لوموند" الفرنسية
23:30 Publié dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Ben Ali, 7 Novembre




Les commentaires sont fermés.