« محكمة تونسية تسلط عقوبة شديدة جدا على متهم اثبت الإختنار الطبي انه مختل عقليا وغير مسؤول جزائيا | Page d'accueil | الأساتذة المطرودون عن العمل ينفذون إضرابا مفتوحا عن الطعام »
20.11.2007
وضع حد للتمييز فكرا وممارسة: المدخل الوحيد نحو الإصلاح الشامل
الأستاذ نور الدين البحيري*
تشهد البلاد منذ مدة حراكا نسبيا يؤشر على تطور الإستعدادات لدى الكثيرين ( فعاليات ومجموعات ) للتحرر بأقدار متفاوتة من الخوف والإنتظارية السلبية.وإذا كان توسع دائرة المؤمنين بضرورة تجاوز موقف المتفرج والفعل الإيجابي في الواقع بمختلف الأشكال والصيغ المتاحة أمرا إيجابيا في حد ذاته فإنه لا مفر من تأكيد الخشية من أن يؤدي التركيز على إبراز بعض القضايا الفوقية والجزئية فردية كانت أو حزبية ( رغم مشروعية التحرك من أجلها ) والإفراط في إستعمال أحد الأشكال النضالية إلى تجاهل القضايا العامة الجوهرية التي تشغل بال أوسع فئات الشعب وإلى فشل تلك التحركات وعزلتها عن العموم والنخب على حد سواء بما يضاعف من إحتمالات إصابة المبادرين بها قبل غيرهم بالإحباط و إهتزاز ثقتهم في أنفسهم وفي محيطهم بعد أن يكون تسبب في إبتذال الأداة النضالية المتبعة وإفقادها قيمتها وتأثيرها ــ
وإنني أعتقد شخصيا ( والله أعلم ) أنه من الضروري جدا التنبيه إلى أن الأهم من النجاح في إختيار الشكل النضالي والعناصر المشاركة النجاح في تحديد محتوى التحرك وأهدافه وشعاراته وأفقه بعد التوافق الأوسع على ضبط الأولويات والتي يجب أن تكون وطنية وجامعة بعيدا عن الإعتبارات الشخصية والفئوية والحزبية مع تقديم الأهم على المهم والعام على الخاص والشامل على الجزئي... في مسعى نضالي مترابط الحلقات منطلقه مطلبي جامع وأفقه المساهمة في تحرير المجتمع من حصار السلطة وهيمنتها ووضع حد ( ولو بتدرج ) لإختلال موازين القوى بين مكونات المجتمع المدني وفعالياته ومؤسساته من ناحية والحكم من ناحية ثانية كخطوة نحو الإصلاح الشامل.
ومن هذا المنظور وحتى لا تتحول التحركات المتفرقة إلى أعمال متوازية تعيق بعضها بعضا وفاقدة لكل أثر إيجابي إن لم تتحول إلى سبب من أسباب تفجير التناقضات والتحريض على التناحر والدفع نحو الإحباط في أوساط عديدة أرى من الضروري التذكير أن قراءة بسيطة لواقع البلاد تكشف بوضوح أن ما يعانيه مجتمعنا من خوف وشلل وما تعانيه أحزاب المعارضة وهيئات المجتمع المدني وفعالياته من ضعف وتشتت وعزلة ليس إلا بعضا من آثار الكارثة التي حلت ببلادنا خلال العشرية الماضية بعد أن إلتهمت آلة القمع المتغولة كل الثيران والأرانب على حد سواء يوم أكلت الثور الأبيض.
وبناءا على ذلك فإنه لا مناص من الإقرار بأن الإنتصار في المعركة من أجل المطالب الديمقراطية الدنيا يمر حتما عبر الإنتصار في معركة تجاوز آثار الكارثة التي حصلت كما أنه لا مفر من الإقرار بصعوبة إن لم نقل إستحالة فرض وتحقيق أي إصلاح في ظل إستمرار معاناة قطاعات واسعة من المجتمع من تداعيات الكارثة المذكورة. قلت وأقول للمرة الألف أن بوابة المعارضة نحو فك عزلتها والإلتحام بجماهير شعبها ونحو توفير الشروط اللازمة للفوز والنجاح في تحقيق المطالب الديمقراطية الدنيا وأن بوابة السلطة نحو وضع حد لحالة الإحتقان والإقناع بصدق وعودها وجديتها والحيلولة دون إنزلاق الأوضاع نحو ما لا يحمد عقباه بوابة واحدة ووحيدة مرســـوم على واجهتها تسوية الملفات العالقة ( سياسيا وإجتماعيا وإقتصاديا وثقافيا ) وفي مقدمتها وعلى رأسها تسوية ملف المساجين السياسيين والمسرحين والمغتربين وغلقه بصفة نهائية بإطلاق سراح كل المعتقلين وبدون إستثناء وتمكين المغتربين من العودة إلى أرض الوطن دون مساءلة وضمان الحق في التعليم والعمل والعلاج و المشاركة في الحياة العامة للجميع ( التي هي حقوق أساسية تنبثق من كرامة الإنسان الأصيلة فيه ولا حق لأحد تحت أي مسوغ كان الحد منها أو الإعتداء عليها ) وإعلان العفو التشريعي العام بإعتباره ضرورة إنسانية وقانونية ووطنية سياسية واجتماعية بما يضع حدا للتمييز الذي أضحى يعاني منه الآلاف من ضحايا الحملة الظالمة والمستمرة إلى حد هذه الساعة على الإسلاميين والتي إتسعت دائرة المتضررين منها بسبب سياسة العقوبات الجماعية المعتمدة حتى طالت لا عائلات الموقوفين (آباءا وأزواجا وأبناءا وأشقاءا ) فقط بل وأقاربهم وأصدقاءهم...
ويكفيني لتأكيد ما سلف القول:
1 ) أليس من المشروع التساؤل حول مدى جدية إستعداد السلطة للإستجابة لمطالب شعبنا المشروعة في الديمقراطية والحرية والعدالة الإجتماعية مع ما يعنيه ذلك من تنازل عن بعض ما إحتكرته ومن تراجع عن بعض ما إختارته وهي التي تصر على إستمرار حبس المئات من أبناء هذا الشعب وشبابه لأسباب سياسية ( مهما كانت المبررات بعد أن تعددت اللافتات والموت واحد ) رغم أنه مر على إحتجاز بعضهم أكثر من ثمانية عشر عاما كاملة ورغم ما يعانيه آخرون من أمراض خطيرة تهدد بجدية حياتهم في نفس الوقت الذي تصر فيه على حرمان الآلاف ممن سرحتهم بموجب قرارات سراح شرطي من حقهم المشروع والطبيعي في العمل والعلاج والتعليم رغم أن ذلك لا يكلفها شيئا بل يمكن أن يحقق لها مكاسب ومغانم كثيرة ويوفر عليها الكثير من المصاريف والخسائر.
وهل من المتوقع أن ينجح في فرض تحقيق المطالب الديمقراطية الدنيا ( مثل الحق في التنظم والإعلام وإستقلال القضاء) من عجز على سبيل المثال لا الحصر عن إنقاذ تونسيا مر إلى حد هذه الساعة على إعتقاله أكثر من ثمانية عشرة عاما بالتمام والكمال ( واللهم لا حسد ) شهرا بشهر ويوما بيوم بما بوأه لتحطيم الرقم القياسي في عدد الليالي المقضاة في السجون التونسية حتى جاز لنا إختياره عميدا للمساجين السياسيين التونسيين( السجين محمد نجيب اللواتي من مواليد صفاقس سنة 1952 وموقوف منذ شهر نوفمبر 1990 وهو معتقل الآن بسجن صفاقس وقد فرض عليه قضاء أغلب فترات سجنه في عزلة مشددة على خلاف أحكام قانون السجون ) و عن إنقاذ حياة رضا البوكادي ( تدهورت حالته الصحية بسبب ما سلط عليه من تعذيب وما عاناه من إهمال ليصاب بفشل كلوي حاد ومزمن وهو مهدد في أية لحظة بالإصابة بقصور تام لإستحالة علاجه إستحالة تامة في السجن ).
هل من المتوقع أن ينجح البعض في فرض الإعتراف بحق حزب العمال الشيوعي التونسي والنهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية وغيرهم دون أن ينجحوا في فرض الإعتراف بحق القاضي مختار اليحياوي ( الذي وهب نفسه فداء لوطنه وشعبه ولإستقلال القضاء بعد أن تجرأ بشجاعة نادرة لم يقدر عليها أحد ا من قبله ولا بعده على تحرير أول وأشهر رسالة حول أوضاع القضاء في تونس ) وحق أفراد عائلته( الذين كان من ضمنهم المرحوم زهير اليحياوي الذي دفع حياته من أجل الحق والحرية للجميع ) في التكسب و توفير لقمة العيش لهم ولأبنائهم بتعمد السلط التي لم يكفها عزل المختار من القضاء ومحاصرته الدائمة وأبنائه وتحجير السفر ومراقبة كل تنقلاته لتتعمد إغلاق نزلا ورثوه عن والدهم وهو مصدر رزقهم الوحيد تعسفا بعد إنتزاع بعض أملاكه بدون وجه حق، وأخيرا وليس بآخر إعادة الروح لملف قضائي مر على إتهامه بمناسبته بنشر أخبار زائفة سنوات في مسعى توحي بشائره بوجود نية مبيتة ورغبة مشبوهة في إستهداف المختار وتوريطه وبحق الأسعد الجوهري في بطاقة تعريف وطنية تثبت هويته وإنتماءه لهذا الوطن وفي فرض الإعتراف بحقه وهو ( الذي يعاني من عاهات مستديمة أعاقته عن الحركة بسبب ما لحقه من تنكيل وتعذيب في مراكز الإستنطاق والسجن ) و حق مراد الخديمي ( المصاب بأمراض السكري الذي إستفحل حتى مس الأعصاب والعينان وأعضاء حيوية أخرى إضافة إلى مرض السل وفـــيروس الكبـــد من صنف ب عافانا وعافاكم الله...) والمنجـي العياري ( المصاب بمرض عضال إستفحل بسبب ما عاناه من إهمال في السجن ) وغيرهم كثير في العلاج والعمل وبحق عزيز تاج ( الذي فرضت عليه شبه إقامة جبرية في مسقط رأسه بدون سند قانوني ) وفتحي الورغي ( الذي يعاني من أمراض مزمنة وخطيرة حتى لم يبق فيه موضعا لعضو لم يصب بعاهة قلبا وأعصابا ورئتين وكلى ومجاري بولية والذي لم يترك بابا إلا وطرقه ) وغيرهما في الدراسة والتعليم.
2 ) هل يمكن للسلطة أن تسترد ثقة العامة والنخب فيها وفي خطابها ووعودها بالغد الأفضل في الوقت الذي تتردد فيه ( رغم أهمية الخطوات المنجزة ) في إتخاذ خطوات حاسمة وجريئة لا تكلفها شيئا تنقذ بها حياة الكثيرين من الموت البطيئ الذي يتهددهم في كل لحظة وتضع بها حدا لما يعاني منه اللآلاف من أبناء هـــذا الوطـــن من تميــيز وشعـور بالإضطهاد الدافع للإحباط واليــأس وتحمـــي بـــها أولا وأخيرا ( وهذا الأهم ) البلاد من الإنقسام والإنشطار ومن العواصف والهزات والمنزلقات وتؤهلها لمواجهة تحديات المرحلة ؟
وهل يمكن للمعارضة الوطنيــة وهيــآت المجتمع المدنــي وفعالياته ( التــي فـــازت بشرف المبادرة والمحاولة ) أن توسع دائرة المقتنعين بشرعية مطالبها وصوابها ومصداقيتها وأن تعيد للنخب والعامة الثقة في جديتها و قدرتها على الفعل وأن تحيي فيهم الأمل في إمكانية الخروج مما هم فيه بما يهيئ الظروف الملائمة لإنخراط جماعي في المعركة من أجل تحقيق الحريات والديمقراطية وهي التي ( سلطة ومعارضة ) تسكت عن إستمرار حبس واحد من شباب تونس ثبت بمقتضى إختبار طبي أجري عليه بإذن المحكمة من طرف مختص مباشر في المستشفى العسكري أنه فاقد المدارك العقلية منذ سنوات خلت وهو لا يتحمل مسؤولية ما فعل ويفعل ( ميمون علوشة المحال في القضية عدد 11089 المنشورة بالدائرة الجنائية بالمحكمة الإبتدائية بتونس ).
وجوابي شخصيا :
أن طريق الجميع ( سلطة ومعارضة وهيئات مجتمع مدني وفعاليات ) للفوز بثقة العامة والنخب ووضع حد لحالة الإحتقان السائدة وإشاعة مناخ من الأمل في مستقبل أفضل وفي إصلاح الأوضاع وإحتلال المعارضة لموقعها الطبيعي في المجتمع يمر حتما عبر تعديل ساعاتهم على ما تقتضيه المرحلة ويطلبه الشعب لا على ما يشتهيه أو يريده البعض و وضع حد للتمييز فكرا وممارسة بين أبناء الوطن الواحد وإنجاز خطوات جدية ( بإكراه الرافض عليها أو بالتوافق معه ) من أجل تحقيق المساواة بين كل الناس و ضمان حق الجميع وبدون إستثناء في الحياة والكرامة والحرية والعلاج والتعليم والعمل بإعتبارها حقوقا أساسية غير قابلة للتصرف فيها وإحدى أهم الأولويات النضالية الوطنية الجامعة التي لا تحتمل التأخير ولا التأجيل.
* الأستاذ نور الدين البحيري المحامي وعضو المكتب التنفيذي لمركز تونس لإستقلال القضاء والمــحامـــــــــــــاة
14:10 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Opposition, Justice



