« بيان الهيئة السياسية لحركة التجديد | Page d'accueil | بعد عودة الحليب بأسعار جديدة: هل عاش التونسي أزمة مفتعلة ؟ »

01.02.2008

أهالي المناطق المنجمية بقفصة: لاجئون في وطنهم يطالبون بحق العيش الكريم

تحقيق سمير ساسي

أكثر من خمسين خيمة تنتصب على طول الخط الحديدي بمناطق الحوض المنجمي بقفصة و شهر يمضي على الاعتصامات الاحتجاجية التي يقوم بها أهالي برج العكارمة وأم العرايس والرديف و"الفيلاج"، بعد أن ضاقت بهم السبل واشتدت عليهم وطأة البطالة والفقر.

منذ 5 جانفي الماضي تحولت هذه المناطق المنجمية إلى مخيمات أشبه بمخيمات اللاجئين داخل وطنهم، لكنها أشد سوءا: خيام قُدت من بقايا أكياس وقماش لا يحمي من لفح البرد القارس. لكن قساوة الطقس لم تفت في عزم الأهالي الذين تجمعوا مطالبين بالحق في "العيش الكريم".

المناظرة / الشرارة

المناخ الجاف والثروات المنجمية الهائلة جعلا حياة السكان في هذه المناطق تدور حول شركة فسفاط قفصة التي دأبت منذ سنة1986 بناء على اتفاق مع الهياكل النقابية على إجراء مناظرة تنتدب بموجبها عددا من العمال من أبناء الجهة. لم يلفت هذا الاتفاق في حينه الانتباه ولم يثر مشاكل تذكر،  وقد طبق بحسب تأويل الشركة له حتى كان اتفاق سنة 1993 الذي حُدد فيه الانتداب ضمن دائرة "المناب الاجتماعي". ويقضي الاتفاق الجديد بانتداب ما يقارب 20 بالمائة من أبناء الجهة تحت مسمى " حالات اجتماعية" للنقابة الدور الرئيسي في تحديدها.

وتذكر بعض مصادر شركة الفسفاط أنها سعت لتخفيف العبء عن الشركة بمحاولة بعث فضاءات اقتصادية لفائدة الخواص أو ما سمي "بالمجال الحيوي الايجابي". وعمدت إلى تنظيم ندوة كبرى لجلب الاستثمارات إلى المنطقة وأحدثت آلية الافراق التي تهدف إلى "تفريخ " المؤسسات في محاولة لإيجاد 1400 موطن شغل. لكن شيئا من ذلك لم يقع   وبقيت المحاولة في إطار النوايا. ولم تتحمل الدولة مسؤوليتها تجاه الجهة التي تعتبر من أقل جهات البلاد حظا في المشاريع التنموية وأكثرها فقرا وبطالة، إذ قدرت نسبة البطالة فيها بما بين 59 و 60 بالمائة من عدد الشباب النشيط، وهي أعلى

نسبة في ولايات البلاد.

كذلك لم يتجرأ الخواص على المساهمة في هذا المجهود وظلت شركة فسفاط قفصة اعمود الفقري للتشغيل، فيما ازداد الوضع الاجتماعي والمعيشي للأهالي تدهورا واستفحلت بينهم ظواهر اجتماعية لم تكن معروفة من قبل كالعنوسة، بسبب العجز عن توفير تكاليف الزواج والجريمة والنزوح نحو المناطق الداخلية، بعد أن انخفض عدد العمال في منجم أم العرائس على سبيل المثال من 3500 عاملا سنة 1975 إلى 550 عاملا في السنوات الأخيرة، وكذلك الشأن بالنسبة لمدينة الرديف.

وجاء إعلان نتائج مناظرة الانتداب هذه السنة " مأساويا" بعد أن تفطن الأهالي المنكوبون اجتماعيا واقتصاديا إلى التلاعب وانعدام الشفافية اللذين نخرا المناظرة وحولا وجهتها إلى «المقربين". وكان الطرف النقابي موضع الاتهام الرئيسي بصفته المتحكم في "المناب الاجتماعي" و هوما أدى إلى اندلاع الأحداث الأخيرة.

انطلاق الأحداث

كان منطلق الأحداث في منطقة "برج العكارمة " وأم العرائس حيث نصب الأهالي خياما قصدوا بها إلى تعطيل نشاط الشركة فاحتلوا المسالك المؤدية إلى أماكن العمل من سكك حديدية وطرقات. أما في الرديف و"الفيلاج" من مدينة المظيلة فأخذت الأحداث في بدايتها شكل المسيرات الاحتجاجية والاعتصامات في مقرات الاتحادات المحلية، تكونت بعدها لجنة تشرف على تسيير التحرك وتقود التفاوض مع الجهات المسؤولة   أفضت إلى الاتفاق على تخصيص 17 موطن شغل آخر بالإضافة إلى "المناب الاجتماعي"، على أن تتولى لجنة الانتدابات التي ضمت لجنة التحرك ورئيس البلدية والمعتمد مهمة تحديد الحالات الأكثر حاجة.

اتفاق الرديف رفضه أهالي أم العرائس الذين لم يشكلوا لجنة حوار وصدوا كل محاولات التفاوض باعتبارها غير جادة وجاءت من أطراف غير رسمية لا تمثل إلا نفسها كبعض ممثلي اتحاد الأعراف.

رفض الأهالي هذا جاء رغم إقرارهم بأن شركة الفسفاط وحدها غير قادرة على استيعاب كل المطالب.  وتزامن هذا الرفض مع إصرارهم على إلغاء "المناب الاجتماعي " الذي صار يعرف عندهم بالمناب النقابي.

أهالي أم العرائس الذين زرناهم في الخيام التي بلغت اثنتين وخمسين خيمة على امتداد الخط الحديدي الذي تسير عليه قطارات الشركة، تحدثوا إلينا بقلوب مفتوحة وهم لا يرغبون في إطالة أمد الأزمة ويأملون أن تسمع صوتهم الجهات المسؤولة التي تتجاهل إلى حد الآن مطالبهم ولم تتحرك لإنقاذ الشركة من خسائر فادحة قد تلحق بها، بعد أن عجزت عن الإيفاء بتعهداتها تجاه حرفائها نتيجة انخفاض إنتاج الفسفاط في هذه الجهة من 14 قطارا يوميا إلى قطارين خلال ثماني ساعات ( تقدر حمولة القطار الواحد من 1900 إلى 2500 طن). وفي نفس الوقت لم تبد أي استعداد لحل مشكلة الأهالي والاستجابة إلى مطالبهم في استثمارات توفر لهم مواطن شغل حقيقية تنقذ شباب الجهة وسكانها من البطالة التي تعصف بهم،  إذ يوجد في منطقة أم العرائس وحدها 1500 عاطل عن العمل من أصحاب الشهائد العليا، إضافة إلى عائلات فقدت السند والمعيل ولا تملك أي مورد رزق قار  كعائلة حاتم السعيدي المقعد عن الحركة الذي وجدناه ضمن المعتصمين، وعائلة الكفيف رابح السعيدي  ، وهي عينات دالة  على الواقع المشترك لعروش السوالمية والبراهمية وأولاد عمارة ... الذين أكدوا أنهم لا يتحركون من منطلق "عروشي" كما تروج لذلك بعض الجهات الرسمية من أجل إفشال التحرك،  وإنما جاء التوزيع الجغرافي للخيام مراعاة لقربها من محال سكنى كل عرش ومن أجل سد أكثر المسالك المؤدية إلى العمل بالنسبة للشركة.

مطالب أهالي أم العرائس تتلخص في ضرورة بعث مشاريع اقتصادية ذات طاقة تشغيلية كبيرة كمعمل الاسمنت تخفف من بطالة شباب المدينة وتعبيد بعض المسالك الفلاحية لتسهيل العمل الزراعي وحفر آبار عميقة وفتح المستشفى الذي لم يبدأ العمل حتى اليوم.

هذه هي المطالب التي يرفعها أهالي الرديف الذين عاودوا التحرك والاعتصامات ونصب الخيام بعد أن بلغتهم أصداء سيئة عن المجلس القطاعي للاتحاد الجهوي للشغل الذي أكد على ضرورة الإبقاء على نتائج المناظرة.

عودة التحركات في الرديف

لم يدم هدوء أهالي مدينة الرديف إلا قليلا إذ وجدوا أنفسهم بعدها مضطرين للعودة إلى التحركات والاحتجاجات، لكن هذه المرة بنصب الخيام على المسالك المؤدية للعمل مثلما حدث في أم العرائس بعد ان أصر النقابيون على المناب النقابي باعتبارهم أصحاب مصلحة في ذلك، وهو ما أثار غضب الأهالي الذين حاصروا بعض مساكن النقابيين المعنيين ونددوا بهم وأجبروهم إلى الاختفاء عن الأنظار.

ونظم الأهالي مسيرة احتجاجية ضخمة يوم الأحد 27 جانفي جابت شوارع المدينة وانتهت بتجمع عند مقر الاتحاد المحلي أكد فيه المتدخلون على عدالة مطالبهم وضرورة التعجيل ببعث مشاريع استثمارية تنقذ الجهة من حالة الفقر المدقع والبطالة القاتلة التي تعاني منها، منبهين في نفس الوقت إلى أن لا صلة لتحركاتهم بمسألة «العروش" كما تروج له الجهات الرسمية وبعض الأطراف النقابية، مؤكدين أن ما تشهده الرديف وجهة المناجم عموما هو احتجاج مواطنين تونسيين على الحيف التنموي، الذي تمارسه السلط المعنية تجاه الجهة التي ظلت تعامل كمنطقة"ريعية" منذ الاستعمار. والى حد الآن لا يعود ريعها إليها ولا تفكر السلطة في استثمار بعض هذا الريع لفائدة أبناء المنطقة، رغم أنها كانت منطقة جذب في البداية وهي الآن تشهد حالة نزوح مكثف نتيجة ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

ويبدو من خلال متابعتنا الميدانية لهذه التحركات والاطلاع المباشر على موقف الأهالي، وبالنظر إلى الظروف الصعبة التي يعيشونها أن الأمور ستشهد تصاعدا في حركة الاحتجاج قد تبلغ درجة من التفاقم تستحيل معها إلى أزمة اجتماعية حقيقية في ظل التفاف الأهالي حول مطالب المحتجين، باعتبارها النصيب الأدنى للجهة من مشاريع التنمية. وإذا أخذنا في الاعتبار حسابات السلطة فتسوية المشكل مستبعدة، إذ  أن قدرتها على امتصاص الهزات الاجتماعية على امتداد العشريتين الماضيتين بتوظيف جملة  من الآليات المرنة، تزين لها خيار التصلب لكن النتائج العكسية لتلك السياسة بدأت تظهر على السطح  كالقروض العائلية التي أغرقت العائلات في مسلسل التداين،  ومشاريع التشغيل 21/ 21  غير المستجيبة لحاجات السوق الحقيقية  وغيرها من الآليات. ونظرا إلى صمتها الحالي تجاه المطالب المرفوعة فالأرجح أن تكون لهذه الحركة الاحتجاجية آثارها العميقة وربما الآنية على الوضع الاجتماعي بالبلاد.

11:27 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Société | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Gafsa

Les commentaires sont fermés.