« 2008-03 | Page d'accueil | 2008-05 »

20.04.2008

عريضة نقدية لوضع اتحاد الشغل: كوادر ومسؤولون نقابيون يحذّرون من الوضع الراهن للمنظمة الشغيلة ويدعون إلى تحرّك جماعي مسؤول لإنقاذ الاتحاد

0129c62b36afd846bf8a51a2cb690753.pngتونس ـ الصباح: ناشد عدد من الكوادر النقابية المعروفة، جميع النقابيين العمل والتحرك لكي يستعيد الاتحاد العام التونسي للشغل حجمه ودوره الوطني الذي افتقده خلال السنوات الماضية.. وأهاب نحو ثلاثين كادرا نقابيا، في عريضة حصلت "الصباح" على نسخة منها، بالفاعلين والقواعد النقابية في جميع الهياكل والقطاعات، تجاوز خلافاتهم و"التجنّد لانقاذ الاتحاد من الانهيار والتلاشي" على حدّ وصفهم..

وجاء في هذه العريضة، الاولى من نوعها التي تضم شخصيات ذات ثقل نقابي، بينها أسماء كانت تقلدت مناصب بارزة صلب قيادة اتحاد الشغل أو ضمن هياكل نقابية إقليمية لسنوات طويلة، أن "الاتحاد يمرّ منذ سنوات بأزمة هيكلية وقيميّة مزمنة، أصبحت تهدد كيانه بعد أن أفقدته الكثير من مصداقيته ونجاعته"، سواء في علاقة بالفئات الكادحة التي تواجه تحديات معاشية كبيرة، أو في "القيام بدوره الوطني في القضايا الاساسية"، حسب قول الموقعين على العريضة..

وقال هؤلاء، أن ذلك انعكس على مستوى "الانخفاض الحاصل في عدد المنخرطين في الاتحاد، واضمحلال عديد القطاعات المهنية، إلى درجة أن تمثيليته باتت منحصرة في بعض فئات الوظيفة العمومية"..

وانتقد أصحاب العريضة، ما وصفوه بـ "تدهور الروح النضالية والقيم الاخلاقية النقابية"، و"تسلط وفساد مالي وعشائرية ومحسوبية في تسيير العديد من الهياكل والمؤسسات النقابية، وبخاصة في مستوى القيادة المركزية للاتحاد"، على حدّ قولهم..

وفي عملية تقييم عاجلة للقيادة المركزية للاتحاد العام التونسي للشغل، أشار هؤلاء إلى عجز القيادة النقابية "على تطوير الارث النضالي للاتحاد"، وعدم "تصديها لما تفرضه التحولات المحلية والكونية في عالم الشغل وطبيعة اقتصاديات الدول النامية، مثل تونس"، منتقدين "غياب البعد الاستراتيجي لرؤية الاتحاد"، و"عدم قدرته على التسيير اليومي العادي للمنظمة الشغيلة"، حسب قولهم..

وتأتي هذه العريضة، قبيل بضعة أيام من إحياء النقابيين لعيد الشغل يوم غرة ماي المقبل، بما قد يعطيها أبعادا نقابية شديدة الحساسية..

الجدير بالذكر، أن من بين المجموعة الموقعة على هذه العريضة، السادة عبد النور المداحي وسليمان الماجدي ونور الدين الفطحلي ومحمد الهادي التواتي والمنصف عقير، (الذين سبق لهم أن تقلدوا مناصب صلب المكتب التنفيذي للاتحاد في فترات عديدة سابقة)، بالاضافة إلى المناضل النقابي المعروف، علي الضاوي، (الكاتب العام لنقابة العدلية)، والسيد الحبيب بسباس، (الكاتب العام السابق لجامعة البنوك، والامين العام السابق للاتحاد النقابي لعمال المغرب العربي)، إلى جانب عديد الكوادر النقابية الاخرى التي تقلدت مواقع مسؤولية عديدة..

ومن المتوقع، أن ينضم إلى هذه العريضة، عدد آخر من النقابيين، فيما لا يستبعد أن تطور المجموعة من آليات تحركها خلال الايام القليلة المقبلة..

صالح عطية الصباح – الأحد 20 مارس 2008

16.04.2008

الدروس الطوال مما رأته الرديف من أهوال

بقلم خيبان

أوصى عبد الملك بن مروان ابنه الوليد قائلا: يا بني أوصيك بثلاثة أقاليم وبثلاثة رجال. أما الأقاليم فأوصيك بأهل الشام هم أهلك اضرب بهم عدوك وأهل الحجاز هم أهل دعة فاتركهم وأما أهل العراق فإذا طلبوا منك في كل يوم وال افعل. أما الرجال فأوصيك بعبد الله بن عمر عابد زاهد اتركه يتركك وعبد الله بن عباس ذكي فطن إذا طلبك فأعطه وأما عبد الله بن الزبير فهو خب ضب إذا لقيته فقطعه إربا إربا".

هكذا هي الدولة دائما تحتكر تصنيف المجتمع. وكما قال فوكو تحتكر العنف في المجتمع. وللعنف وجوه منها المادي والمعنوي والرمزي. ولعل أبرز مظاهر العنف الرمزي هي التسمية فالدولة تطلق التسميات وتسمي الناس بغير أسمائهم. وكذلك الأقاليم. كما فعل عبد الملك بن مروان مع البلاد والعباد حيث اختزل الجميع في ثالوث أزلي في علاقات السلطة بالمجتمع: هذا معي وذاك ضدي والآخر نائم.

ويبدو أن هذا الثالوث الذي ابتدعه هذا الخليفة الظالم هو قدرنا (لا تنسوا أنه في عهده هدمت الكعبة وفي عهده بطش الحجاج كما أراد). في تونس أقاليم تسمى بأهلها: السواحلية، الصفاقسية، القفاصة، شمال غربي، الجرابة... ما أشبه الليلة بالبارحة وما أشبه ما قاله عبد الملك بما نراه. فمنذ الاستقلال قسم بورقيبة الأقاليم فليس خافيا على أحد كره بورقيبة للشمال الغربي وحملة التشويه التي استمرت حول ما اصطلح على تسميته بــ KJB (كاف – جندوبة - باجة) وليس خافيا على أحد دلال بورقيبة للمنستير وليس خافيا على أحد كلام بورقيبة عن الفلاقة (قطاع الطرق) ليصف الثوار وبعد انقلاب الأزهر الشرايطي اسمعوا بورقيبة (على YouTube) في حوار مع التلفزيون الفرنسي كيف يتحدث عن قفصة التي بنتمي إليها أغلب من شارك في الانقلاب.

وخلف من بعده خلف لم يبدل تبديلا. وأصبحت حمام سوسة ومنطقة الساحل بشكل عام جنة المأوى يطيب فيها العيش وفيها ملك لا يبلى.. "فهم أهلك اضرب بهم عدوك..." "..اللهم اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات" تلك كانت دعوة ابراهيم لمكة. اللهم اجعل هذا الجنوب خربا وارزق أهله من الهراوات (طبعا الجنوب بالمعنى السياسي وليس الجغرافي أي الجهات المحرومة في البلاد).

ما حدث في منطقة الحوض المنجمي وبلغ ذروته في مدينة الرديف يعتبر حالة شعبية نادرة في تاريخ الدولة الوطنية التونسية. فلم يحدث في تاريخ البلاد أن تعتصم قرى بأكملها لمدة ثلاثة أشهر مطالبة بالخبز والكرامة والعدالة الاجتماعية. ولم يحدث في تاريخ هذا البلد السعيد أن يتظاهر آلاف الشباب لمدة تسعين يوما دون أن تكسر نافذة محل أو يسيل دم إلا في الليلة التي اقتحم فيها الأمن البلدة. ثم لم يحدث في تاريخ هذا البلد الآمن أن تحاصر الدولة قرية يسكنها 30000 نسمة بأكثر من 5000 آلاف أمن هذا دون احتساب عدد الكلاب.. لأن في الأمن فرق كلاب كما هو معروف. ولا أدري هل رئيس تلك الفرقة كلب من الكلاب أم بشر له أنياب. أي رجل أمن لكل 6 مواطنين في حين لدينا طبيب واحد لكل 5000 مواطن.

ولم يحدث في تاريخ هذا البلد الديمقراطي جدا.. أن تهبّ حركة شعبية دون أن يتبناها حزب سياسي أو تتخذ لنفسها مضمونا إيديولوجيا مصنفا عند السلطة ضمن قائمة أعداء الوطن. ثم لأول مرة لم تستطع السلطة أن تتهم من ثاروا بأية تهمة فليسوا مؤمنين حتى تقول عنهم خوانجية وليسوا طوباويين حتى تقول عنهم ملاحدة وليسوا وحدويين حتى تقول عنهم أنهم بعثيون أو قوميون ولا يمتلكون إلا ألسنتهم سلاحا فلم تستطع وصفهم بالإرهابيين ثم ما أبعدهم عن السفارات الأمريكية والفرنسية والإيرانية حتى تقول عنهم أنهم "عملاء للخارج".

أمام كل هذه الاعتبارات أليس من واجب كل تونسي أن يستخلص الدروس مما حدث ذات شتاء في الرديف وما جاورها. وبحكم انتمائي إلى هذه المنطقة وحبي لها وبحكم معرفتي بالسلطة ككل التونسيين فأنا أستخلص الدروس التالية:

أولا: حينما تغيب الإيديولوجيا عن مجتمع ما فإنه يعود إلى ما قبل الإيديولوجيا. هذا قانون سوسيو- سياسي يكاد يكون قانونا طبيعيا. ولأن التجمع الدستوري الديمقراطي لا هوية إيديولوجية له فإنه ضم شذاذ الآفاق وتجار الدماء صفقوا لبورقيبة دهرا حتى تهرأت أيديهم ولما جاء التحول المبارك تعلموا أن يرتدوا قفازات جديدة كي لا تتهرأ أيديهم من التصفيق للعهد الجديد لأنه سيطول ويطول معه التصفيق. هذا الحزب الحاكم الذي ابتلع الدولة وهاهو يبتلع نفسه لا يعرف ما معنى إيديولوجيا أصلا.

غابت عنه الإيديولوجيا فاحتكم إلى ما قبل الإيديولوجيا أي إلى ما قبل بذور الوعي السياسي في تونس إلى ما قبل عهد الأمان إلى ما قبل 1938 حيث مات التونسيون وهم يطالبون ببرلمان تونسي. عاد بنا هذا الحزب إلى منطق الجهة والقبيلة والعائلة. فواصل دعمه لجهات وحرمان أخرى وواصل معاقبة الجهات.. وللأسف استطاع أن يرسخ وعيا جمعيا موجودا أصلا حول الجهات فالتونسي اليوم يخشى من بعض الأقاليم ويستريح إلى أخرى. ثم حينما زار الرئيس القيروان مرة ألم يقل في خطابه " يا أولاد عيار الأحرار"...

وقد ترجم هذا الوعي الجمعي المقلوب في الحياة الاجتماعية من خلال مواطن الشغل مثلا فمن يعمل في البناء في منطقة الساحل جلهم من الآفاق ومن يملك الوظائف الكبرى في البلاد جلهم من إقليم "هم أهلك اضرب بهم عدوك". كما ترجم التونسي ذلك العداء الجهوي في السياسة وحتى في الزواج فمن كان قبلاويا مثلا (ولاية قبلي) لا يتزوج إلا قبلاوية أو ما يعادلها في هامشية الإقليم كقفصة أو القصرين أو تطاوين مثلا أما حمامة حمّامية (حمام سوسة) فهذا يحدث في كل جيل مرة.

عندما تغيب الإيديولوجيا تعود المجتمعات إلى ما قبل الإيديولوجيا ولكم في بلادنا مثل إن كنتم تعقلون. فأخطر ما وقع في منطقة قفصة ويعتبر في نظري أكثر خطورة من تدخل الأمن اللطيف... يا لطيف.. أخطر من ذلك تحريك الحزب الحاكم لمسيرة في مركز الولاية ردا على مسيرة الرديف التي حدثت في نفس اليوم (10 أفريل) للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين... مسيرة الحزب رفعت شعارا لا نسمعه إلا في العراق يطالب بطرد من هم غير أصيلي ولاية قفصة من قفصة. وهذا لأن قائد الاحتجاجات السيد عدنان حاجي أصله من ولاية توزر.. رغم أنني أبلغ من العمر 35 سنة ومنذ بدأت أعي وأنا أعرف أن عدنان معلم في الرديف.

حينما أراد أفلاطون طرد الشعراء من جمهوريته الفاضلة كان يخشى على الحقيقة منهم... ولكن طرد غير أصيلي منطقة قفصة (وليس أثينا طبعا) الهدف منه الخوف على أهل قفصة وتونس من الحقيقة. تصوروا حزبا حاكما يسيّر مسيرة للمطالبة بتطهير عرقي. للرد على مسيرة شعبية عفوية تطالب بإطلاق صراح المعتقلين وهم من أصول قبلية وجهوية مختلفة جمعهم الفسفاط والشقاء والغضب. فأية إيديولوجيا يتبناها هذا الحزب الذي يعتبر من أقدم الأحزاب في العالم وأضخمهم من حيث المنخرطين (قياسا بعدد السكان) بعد الحزب الشيوعي الصيني. فيضم مليوني منخرط وتعداد تونس كلها 10 مليون فحتى الموتى تصدر لهم كل سنة بطاقة انخراط. المنخرط يظل حيا في حزبنا وإن مات... والمعارض يموت وإن كان حيا. لأنه إذا غابت الإيديولوجيا عن حزب يعود إلى ما قبل الإيديولوجيا.

ثانيا: إن الشعب لا يهان... هذا كان شعار المرحلة الماضية في الرديف وما حولها... لطالما قالوا لنا إن الشعوب العربية ليست ناضجة للديمقراطية وعلى الزعيم أن يدخلها إلى مدرسته ليعلمها ما معنى الديمقراطية... ولكن ما فعله شباب الرديف برهن أن الناس يمكن أن تحب أرضها دون أن تحرقها... ألم يخوفونا بالجزائر وما حدث فيها وبالعراق وما تعانيه "بسبب الديمقراطية..."

في الرديف كانت المعادلة غير حزبية فلا أحزاب المعارضة قادرة على أن تجيش شعبا من أجل مطالبها التي تبدو لدى أغلبها كرتونية... سكان المنطقة من الشباب حاملو شهادات علمية ولكن لديهم ميزة لا توجد في بقية المناطق وهي أنهم تربوا في عائلات وفي مدارس وعلى يد معلمين وأساتذة احترفوا الرفض وتوارثوه (وهذه ليست مبالغة أو مفاضلة جهوية وإنما أنا أتحدث عن جزء من ذاكرتي)... فما أروع أن تلتقي الشهادة الجامعية مع التنشئة الاجتماعية الرافضة..

أليس هذا درسا من الدروس الممنوعة في البلاد أرادت السلطة أن تزيله من كتاب الوطن.. شباب الرديف وأم العرائس والمظيلة أعادوا إلصاق الصفحة في مكانها... فلم يمارسوا العنف ولم يخرجوا عن النظام الذي رسمه النظام... ولو خرجوا عن النظام لذهبت ريحهم وفشلوا وتمكن النظام من محاججتهم... ولكن قوتهم في تنظيمهم العفوي... ثم حتى إذا أرادوا تحطيم الرديف وحرقها لن يجدوا ما يحرقونه إلا بيوتهم ومحلات إخوانهم وأعمامهم...

لذلك سيكون ما حدث في الرديف مفصليا في تاريخ المنطقة والبلاد.. فالوعي الجمعي رسم الصورة واضحة عن المنطقة وأهلها وشاهد بالملموس ضعف هذا النظام... لذلك سيعيد للاوعي الجمعي صورة البطولة في الأذهان وسيبني صنما آخر للزعامة غير زعامة الحزب إنه صنم الشعب الباقي... فالشعب صنم جامد إذا أراد أن يكون صنما... وهو صنم معبود وفاعل إذا أراد الناس عبادته... في الرديف حطموا صنم الوجه المكرر في اللافتات ونحتوا صنما جديدا سيعبدونه دهرا...

الدرس من كل هذا هو أن طاقة التعبئة في سبيل التفاهة كالكرة وستار أكاديمي حيث مات "الشهداء" في صفاقس.. نفس طاقة التعبئة مع قليل من الوعي التاريخي وبكثير من مجهود النخبة قد تتحول تلك الطاقة إلى حركة شعبية تطالب بحقوق المحرومين.. وبعد المطالبة بالخبز سيطالبون ربما إذا استمر وهجهم بأشياء أخرى تخيف النظام كثيرا... شباب الرديف يحب الرياضة ويشجع الفرق ويستمع إلى الفنانين التافهين.. ولكن في لحظة الجد لا يخاف ويطالب بالخبز وبالعدل والحرية...

سيذكرني أهلي إذا جد جدّهم *** وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

ثالثا: إن تلك القناة التي يطغى عليها اللون البنفسجي وقد قيل والله أعلم أن البنفسجي من سنن الزعيم (مثلما أن الأبيض والأخضر من سنن النبي محمد). ومن رغب عن سنة الزعيم فليس منا.. لذلك ت 7 ليست منا. وقد أعجبني تعليق إحدى صحف المعارضة المصرية حيث تسمي وزير الخارجية المصري بأنه وزير خارجية "المريخ" لأنه عندما يتحدث عن مصر كأنه يتحدث عن بلد كله رخاء وازدهار وكأنه قادم من كوكب المريخ ولا يعرف مصر...

ليلة دخل الأمن إلى البيوت في الرديف (5 أفريل) كنا على موعد مع برنامج تلفزيوني يطوف البلاد للعثور على الإنجازات ومعجزات التغيير. وكانت تلك أول حلقة في البرنامج العتيد وخصصت لولاية قفصة. فهل ذلك كان اعتباطيا. كانت حلقة رائعة بمقاييس الحزب خاصة وأن الأسئلة التي تقدم إجاباتها سلفا كانت سخية في الهدية فكل سؤال بألف دينار... شباب الرديف وأم العرائس وغيرهم يشاهدون المنكر ولا يبتسمون.. الجواب صحيح والجائزة ألف دينار من المجمع الكيمياوي بالمظيلة... شباب المظيلة في الخيام معتصمون لا يملكون ثمن التبغ الرديء..

تصوروا بلدا يعالج قضاياه بهالة الركبي وعبد القادر مقداد... هذا الممثل المسرحي القدير والبوق السياسي التافه... ألا يستحي وهو يكرر كلمة العهد السعيد؟؟؟ ألا يتذكر مسرحية حمة الجريدي وصراعه مع الباي.. أليس القائل في تلك المسرحية "جواب جاي من الجريد أعطيه الوقيد".... طبعا هو يعيش في العهد السعيد ونسي حمة الجريدي. دولة تحل مشاكلها بحصة تلفزيونية.. التصفيق في الأستوديو على أنغام الفلكلور القفصي والضرب ليلتها في الرديف على أنغام الفلكلور الثوري... أليس هذا درسا مضحكا...

أما الإصلاحات الحقيقية فتتمثل في عزل أو تغيير جميع المسؤولين تقريبا في الولاية. فهم سبب الخراب أو قل كبش الفداء... والإصلاحات الأخرى تتمثل في التسريع في مشروع طمر نفايات الفسفاط.... كان من المفترض أن يتم الانتهاء من مشروع أحواض ردم مخلفات الفسفاط في 2011 فتم تقريب الموعد إلى 2009. إنه إجراء حدث بالصدفة ولا علاقة له بما يحدث في المنطقة وإنما استفاق الرئيس من حلم مزعج ففسر له مفسرو الأحلام أن الحل للخروج من الإزعاج هو "لفتة كريمة" من لدنه إلى مستنقعات الفسفاط التي طالما ابتلعت أطفالا وطالما أضرت بالماء والهواء وبالعيون والكلى وعشش بسببها مرض السرطان في الأجساد النحيلة.. وكانت... لا سرطان بعد 2009 لأن الأحوض قادمة.

لماذا ننتظر إلى 2011.. السنة القادمة يصبح الهواء عليلا في قفصة.. وفي السنة القادمة انتخابات 2009 وما أدراك... سيصبح الشعب عليلا... وخرج أهل قفصة كما قالت قارئة الأخبار التي لا تعرف الجهة وبالدليل أنها نطقت المتلوي بالمتولي ثم صححت الاسم لأن المتلوي عبارة صعبة منذ زمن طويل... خرج أهل قفصة كلهم من دون استثناء... والاستثناء حاصل في الرديف... ولكنه يحفظ ولا يقاس عليه في زمن الرداءة... خرجوا يطالبون الزعيم للترشح إلى 2009... أي السنة القادمة سيفوز الرئيس وستبنى أحواض الفسفاط لدفن النفايات والأحلام.

"وأهل العراق إذا طلبوا منك في كل يوم وال افعل"... فعزل والي قفصة وكذلك المعتمدين دفعة واحدة... وأهل قفصة إذا طلبوا منك في كل سنة حوض نفايات فافعل.. كم هي مسكينة هذه السلطة... إنها لا تعرف الكذب وإذا كذبت افتضح كذبها وهذا حال الصادقين دائما... وحال الساقطين أيضا...

" سمعت حكاية تتحدث عن دكتاتور أراد تغيير كل شيء لم يعجبه في دولته التي يملكها وعندما غير كل شيء قال لمستشاره الخاص أريد تغيير شعبي؟؟؟ قال المستشار بعدما فاض الكأس: سيدي أنا أعلم أنك رديء ولكن ليس إلى هذا الحد".

18:28 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Société | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Redyef

09.04.2008

هل هو التخلف أم مغالطات

يورد المؤرخ التونسي أحمد بن أبي الضياف عند تعرضه لظروف إصدار قانون عهد الأمان ملاحظة بليغة لتفسير عدم تقيد الباي بأحكامه منذ إصداره بالقول أن هذا الباي كان بعتقد أن الغرض من هذا القانون قد تحقق بإصداره له بمعنى أنه ضن أنه ضن باستجابته للضغوط التي دفعته لإصداره قد قام بما هو مطلوب منه و لم يراوده مجرد الشعور بأن إصدار قانون يعني التقيّد به و الخضوع لأحكامه.

و يبدو من الإطلاع على المداخلات و الأجوبة أن الإستراتيجية التي إعتمدها وزير العدل و أعضاء الوفد الذي رافقه إلى جينيف لتقديم تقرير تونس الدوري حول احترام الميثاق الدولي للحقوق المدنية و السياسية قد كشفت أن وزير العدل و أعوانه لا زالوا على عقلية هذا الباي و لم يدركوا بعد أن القوانين مهما كانت قيمتها لا يمكن أن تقاس إلا بمستوى نفاذها. لذلك فقد نجحوا إلى حد ما في إبهار أعضاء اللجنة الأممية بكم القوانين الرائدة التي وقع استعراضها حتى أن المندوب الياباني لم يتمالك نفسه عن الإشادة بالمستوى الديموقراطي الذي بلغته بلادنا و الأندونيسي  بالتنويه باحترامها لحرية التعبير وحقوق الإنسان.

و ليس لنا طبعا أن نلوم هؤلاء الخبراء الدوليين على تقييمهم و نحن نعرف مستوى النزاهة العالية التي يتعامل على أساسها أمثالهم طبق المعطيات المقدمة لهم فكيف لهم خاصة بالنظر إلى الأصقاع النائية التي ينتمون إليها أن يدركوا كما يقول المثل التونسي أن "كل بلاد و أرطالها" و عقلية البايات و حكم التعليمات الدارج عندنا و أن قوانيننا إنما تسن إستجابة للضغوط الخارجية و لتحسين صورة تونس في المحافل الدولية. لذلك ليس لنا إلا أن نلوم سوى أنفسنا أمام عجزنا عن تجاوز معضلات تخلفنا وتشبثنا بالمظاهر و حب الظهور على خلاف حالنا حتى كدنا ننسى حقيقتنا كما حصل لنظامنا.

لقد سنحت لي فرصة عند لقاء أحد خبرائنا القانونيين ممن وجدته ضمن قائمة الوفد التونسي إلى جينيف لأوجه له لوما صريحا على منهجه في تناول القانون سواء من خلال تدريسه في الجامعة أو من خلال ما ينشره من تحاليل و دراسات و أردت أن أوضح له أنه لا يتعدى ترويج أوهام لا علاقة لها بواقع القانون كما يطبق فعليا و كما يشعر به كل التونسيون. و قد كان رده جاهزا لا يحمل أدنى لبس أو تردد بقوله أن ما يقوم بدراسته و تدريسه ينحصر في مجال القانون و أنه لا علاقة له بما سماه اللاقانون « Le non droit »

و مع إدراكي أنه لا جدوى من النقاش قبل الإتفاق على تعريف مشترك للقانون بين من يرون فيه مجرد منظومة شكلية خارجية يقع التلاؤم معها دون أن يؤثر ذلك على ما يطبقه الحاكم فعليا في سياسته للمجتمع اليومية و بين من يتمسكون مثلي بأن القانون الجاري على كل مجتمع هو فقط ذلك الذي يتجسد في ما يطبق فعليا عليهم و أن كل ما عداه لا يرمز إلا للمغالطات حول حقيقة ما يرتكب من تجاوزات كان بودي أن أساله اليوم هل أنه مرتاح على مستوى النزاهة العلمية على الدور الذي جند له.

المحير في المنهج المتبع من طرف السلطة منذ عشرين سنة حيال قضية إرساء دولة القانون و احترام حقوق الإنسان أنه أصبح يوحي كما لو أن أهدافه لم تعد تتجاوز تملق مساندة بعض الموالين و رضا بعض المخدوعين و غض نضر حلفائها الدوليين و لا يؤدي في أقصى منتهاه سوى إلى تكريس تواطؤ على حرمان الشعب التونسي من التمتع بحرياته و نيل كامل حقوقه و بناء المؤسسات الحقيقية التي لا قوام لدولته و لا لحريته بدونها.

فهل أن أستراتيجية من هذا القبيل تتحول فيها المشاغل الرئيسية لسلطتنا و نخبها اللهث لتلميع صورة نظامها الداخلية و الخارجية من جراء ما يرتكب فيها يوميا من تجاوزات يمكن لها أن تحيل على مستقبل أو أن تفتح آفاق... هل هو التخلف أم مجرد مغالطات.

المختار اليحياوي – تونس في 09 أفريل 2008

 

19:44 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Droit de l'homme

03.04.2008

حركة النهضة تشجب بشدة سياسات الاحتكار و الإقصاء و الانتقاء التي تعتمدها السلطة

c7d786cca8212368c5338d207d214146.gifفي الوقت الّذي يتطلّب فيه الوضع اتخاذ إجراءات و إصلاحات اجتماعيّة و سياسيّة حقيقيّة تعالج المعاناة التي يعيشها المواطنون بسبب تدهور المقدرة الشرائية و تزايد البطالة و الفقر و تفشي الجريمة و انحدار القيم و اتساع أساليب الرشوة و المحسوبية جاء خطاب الرئيس ليؤكد من جديد تشبثه بحكم ظل طوال نصف قرن قائما على الفرد و الحزب الواحد و الوصاية على الشعب حارما بذلك التونسيين من طموحاتهم للعيش في دولة حديثة تقوم على مبادئ الحرية و المساواة و المواطنة و التداول على السلطة عبر انتخابات حرة و نزيهة و كما دأب عليه في انتخابات 1999 و 2004 الفاقدة لكل مصداقية و بدلا من إصلاحات دستورية حقيقية تنهي الشروط التعجيزية أمام الترشح و تفتح الباب أمام التداول الديمقراطي أعلن عن قرب إصدار قانون دستوري استثنائي لا يقوم على أسس موضوعية بل غايته الأساسية حرمان عدد من الشخصيات الوطنية من حق الترشح للرئاسية لاسيما الأستاذ احمد نجيب الشابي الذي أعلن عزمه خوض الانتخابات الرئاسية و انخرط في حملة على الشروط التعسفية الاحتكارية للعمل السياسي                              

  و أمام إمعان السلطة في احتكار الحياة السياسية و غلق الباب أمام أي إصلاحات جدية و على رأسها تحرير الإعلام و التنظم و المساجين و سن عفو تشريعي عام يعيد لعشرات الآلاف من المواطنين حقوقهم و كرامتهم باعتبارهم ضحايا محاكمات سياسية تعسفية على مدى خمسين سنة

    و أمام تمسك السلطة بذات أساليب الإقصاء و الانتقاء و سلب الأحزاب حرية اختيار مرشحيها فضلا على إلغاء حق المستقلين و إزاء هذه الإجراءات التي تعمق أزمة الاستبداد و الفساد بالبلاد و تعمل على جعل المحطة الانتخابية القادمة كسابقاتها فاقدة لكل معنى و مصداقية

 فان حركة النهضة:

1- تشجب بشدة سياسات الاحتكار و الإقصاء و الانتقاء و تدافع بقوة عن حق كل الأحزاب و الشخصيات الوطنية في المشاركة و المنافسة السياسية في كنف المساواة و العدل و تكافؤ الفرص و تجدد دعمها الكامل لحق الأستاذ احمد نجيب الشابي في الترشح للرئاسة و مساندتها التامة لكل الجهود و النضالات الهادفة إلى حمل السلطة على فتح الأبواب أمام المنافسة الحقيقية

2- تعتبر إن مشكلة البلاد الأولى هي الاستبداد و الفساد و من ثم فان المهمة الرئيسية لكل القوى الوطنية هي توحيد الجهود و تصعيدها بكل الوسائل السلمية من اجل فك اسر الحياة السياسية و إطلاق سراح المساجين و حرية الإعلام و التنظم و استقلال القضاء و حياد الإدارة و الإشراف المستقل على الانتخابات إن هذه الأساسيات لا تمثل فقط أهدافا في حد ذاتها بل و كذلك شروطا لانتخابات حرة و نزيهة يمارس بها الشعب سيادته و يعبر بها عن إرادته.                      

3- تؤكد انخراطها في كل الجهود المشتركة و مواصلة التشاور مع شركائها باتجاه توحيد المواقف من محطة 2009 و انفتاحها على كل الصيغ التي تدعم وحدة القوى الوطنية و تراكم ضغوطها من أجل تحول ديمقراطي حقيقي باعتباره هدفا و شرطا للتصدي الناجع لمشاكل البلاد في كل المجالات.

لندن في 03 أفريل 2008

رئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي

مراجعات سياسية وإرادة وطنية

عماد الدائمي وسليم بن حميدان

لقد كان انبعاث المؤتمر من أجل الجمهورية سنة 2001 تلبية لحاجة حقيقية وملحة في الساحة التونسية، حيث ولد في ظل  انسداد سياسي تام واختلال في موازين القوى بين سلطة تعتبر نفسها اللاعب الوحيد في الميدان ومعارضة مشتتة ومجزأة  تفرقها الايديولوجيا والزعامة وترتيب الأولويات.

ولد المؤتمر في ظل ذلك الوضع وولد معه أمل في تجميع الفرقاء وتكتيل الجهود لمحاربة الدكتاتورية وبناء البديل الديموقراطي المنشود. عاملان رئيسيان ساهما في بناء هذا الأمل أولهما فلسفة التأسيس: كإطار نضالي مفتوح متحرر من القيود الإيديولوجية و الولاءات الشخصية، متخفف من القيود التنظيمية والهيكلة الكلاسيكية. وثانيهما هوية المؤسسين: كثلة من المناضلين المشهود لهم بالمصداقية والنزاهة والمبدئية والجرأة في الحق، وكعينة ممثلة لأغلب قطاعات المجتمع وتياراته رجالا ونساء، شبابا وكهولا، مقيمين في البلاد ومهجّرين، من مشارب إيديولوجية وفكرية متعددة : عروبيين واسلاميين ويساريين ...

هكذا ولد الأمل، وأصبح المؤتمر في وقت وجيز محط أنظار المراقبين في الداخل والخارج، وفرض نفسه كمحرك لعربة المعارضة وكناطق باسم قوى الشعب الغاضبة. حيث لامس خطابه الحاد والحاسم تجاه السلطة، إلى حد التشنج أحيانا، مشاعر وضمائر الشعب المقهور، وجرأ الكثيرين من أفراد وجماعات على سلطة أضحت في وضع المدافع لا المهاجم.  كما دفع هذا الخطاب بقية الأطراف الوطنية المعارضة لرفع سقف الخطاب والمطالب وللاقتراب من المؤتمر، اقتناعا أو اضطرارا، والالتقاء معه على مواقف كانت في السابق من المحرمات حتى لا تنعزل وتوصم بالتخاذل.

بعض هذه الأطراف سرها أن يكون المؤتمر على يسارها كي تثبت للنظام كما للخارج أنها غير متطرفة، وأخرى جارته لكي لا تتركه يستأثر بالريادة، وأخرى قبلت به شريكا إلى حين.

ظل هذا الأمل يتصاعد أحيانا ويخفت أخرى حسب نسق المد النضالي والتحركات الإعلامية والميدانية التي كانت غالبا موسمية أو مناسبتية. وبلغ مداه قبيل ندوة أكس ـ مرسيليا للمعارضة التونسية، حيث كانت هذه الأخيرة متكتلة على وشك أن تضع حجر الأساس لمشروع وطني مشترك لـ"تونس المستقبل" قبل أن تنتكس وتتراجع نتيجة لشكوك البعض ومخاوف البعض الآخر من ردة فعل السلطة ورواسب الخلافات الإيديولوجية الضيقة والشخصية المقيتة.

أعقبت تلك الخيبة سياسة انكفائية متوترة قامت على التقوقع على الذات وتأكيد التمايز مع أغلب الشركاء السابقين ونفض اليد منهم باعتبار التعويل عليهم مضيعة للوقت وهدرا للجهود.

وكان من الطبيعي أن تؤثر هذه الانتكاسة والمشاكل التي تزامنت معها في المناخ العام داخل الحزب وأن تدفع بالبعض للانسحاب وبالبعض الآخر للاستثمار في أطر أخرى حقوقية ومهنية وإعلامية. وكاد الحزب أن ينحل لولا مسؤولية أعضائه، كلهم بدون استثناء، ولولا حدوث أمرين أولهما إقدام السلطة على اعتقال المحامي محمد عبو عضو المؤتمر الذي دفع الجميع للانخراط في معركة تحريره والثاني هو قيام ما سمي بـ"حركة 18 أكتوبر" وما رافقها من تحركات ميدانية واتصالات سياسية انخرط فيها بعض الأعضاء وشغلتهم عن مشاكل الحزب الداخلية.

وقد شكلت محطة 18 أكتوبر منعرجا حاسما في مسيرة الحزب وانقسم الجمع الى فريقين: فريق يائس محبط من استمرار الخطاب الاحتجاجي لدى المعارضة وعدم قدرتها على إعداد البديل، وفريق "متشائل" يعتبر الالتقاء على الحد الأدنى أهون الشرور وأفضل حالا من التشتت والانقسام.

ولا شك في أن انحراف حركة 18 أكتوبر عن زخم التأسيس ووعوده، ودخولها في متاهات الجدل الإيديولوجي العقيم وصراعات الزعامة الموهومة، عوض مواصلة العمل النضالي الميداني، إضافة إلى المناورات السياسوية المفضوحة لإقصاء رئيس المؤتمر عن الحلقة الضيقة للتحرك.. لا شك أن كل هذه العوامل دفعت بالحزب إلى وأد أمل "العمل المشترك" وإلى تبني خطاب ثوري "حالم" يتوجه مباشرة إلى التونسيين محملا إياهم مسؤولية التغيير وداعيا إلى العصيان المدني والنزول إلى الشوارع للإطاحة بالدكتاتورية وإقامة النظام الجمهوري الحقيقي على أنقاض الجمهورية المزيفة.

وقد ساهم هذا الخطاب في تعميق هوة الخلاف بين الحزب وشركائه السابقين إلى حد القطيعة. كما أدى إلى تعميق الهوة بين جناحين في الحزب أحدهما ملتف حول الرئيس يدعو إلى الثبات والصمود والعمل "من أجل التاريخ "، والثاني يدعو الى الواقعية والبراغماتية والفعالية الآنية.

فكان أن انفرط الشمل بهدوء ومسؤولية دون أن ينشر الغسيل أوتصفى الحسابات، كدليل آخر على مسؤولية كل المؤسسين ونضجهم ورصانتهم.

ودخل الجميع في رحلة مراجعات للتجربة والخط والخطاب قادت البعض إلى الانسحاب المعلن والبعض الآخر إلى أخذ مسافة عن النشاط الحزبي والسياسي والانغماس في العمل الحقوقي أو الفكري، والبعض الآخر إلى الرجوع إلى نقطة البدء والسعي إلى إعادة إحياء الحزب على الأسس التي بني عليها باعتبار حاجة الساحة الماسة إليه وعجز الأطراف الأخرى مجتمعة على ملأ الفراغ الذي تركه. وتقودنا هذه المراجعات اليوم، من منطلق المسؤولية، إلى وضع أيدينا في أيدي رئيس الحزب والإخوة المتمسكين معنا بهذا الإطار من أجل إعادة بنائه على أسس جديدة تقطع مع سلبيات الماضي وتعيدنا إلى عمقنا الوطني ومحيطنا الطبيعي وترشد خطابنا وممارستنا دون تنازل عن الثوابت أو مساومة عن الحقوق.

 ماذا يجب أن يتغير:

 سؤالان مركزيان كان علينا الإجابة عليهما قبل أن نحدد ما يجب أن يتغير في خط المؤتمر وخطابه وممارسته السياسية. الأول: ما الذي تغير أصلا منذ لحظة التأسيس قبل 7 سنوات حتى يكون التغيير حتميا ؟ ثم ما المطلوب توفره من شروط لتحقيق الآمال العظام في التخلص من الاستبداد وبناء الدولة الديمقراطية التي اجتمعنا حولها والتي لا زلنا عاجزين عن الاقتراب حتى من شروطها الدنيا ؟

بخصوص السؤال الأول، يبدو التشخيص للوهلة الأولى متشابها مع الوضع الذي قررنا فيه مع شركائنا تأسيس الحزب، لا يختلف عنه إلا في حدة الأزمات التي كانت البلاد تعيشها ولا تزال (ازديادا)، وفي مدى ضغط القوى الداخلية والخارجية (تقلصا) على نظام ازداد انغلاقا وتمسكا بالسلطة، كما ازداد خبرة وقدرة على المناورة وشق الصفوف.

عاملان جديدان إنضافا للمعادلة خلال السنتين الأخيرتين ليزيدا من أمل النظام الحاكم في الحياة والتواصل دون حاجة لإحداث إصلاحات حقيقية أو تغييرات جوهرية هما:

  ـ انفضاض شمل المعارضة وانهيار محاولات العمل الوطني المشترك في الواقع (وفي العقول وهذا أخطر) وما رافق ذلك وما نتج عنه من ضرب لكثير من مكاسب النضال الوطني في العشرية التي خلت على جميع المستويات السياسية والإعلامية والجمعوية، وعلى مستوى التواصل مع الرأي العام والتأثير فيه، في تقهقر واضح وفي عودة مخجلة إلى الوراء معاكسة للتيار العام في المنطقة والعالم.

ـ خروج مارد الإرهاب من قمقمه، بشكل عفوي أو مفتعل، وما أدى إليه من إعطاء الحجة للسلطة للإمعان في الانغلاق وتضييق الحريات ومن إضفائها شرعية دولية جديدة غطت أو تكاد سجلها الحالك في انتهاك حقوق الإنسان .ولعل من أبرز ضحايا فكر العمل المسلح الوليد منهج "معارضة التمنع" أو ما اصطلح عليه بالمعارضة الراديكالية وعلى رأسها المؤتمر حيث أصبحت دعوات المقاومة السلمية التي كانت في السابق أسمى تعبيرات الشجاعة والإقدام "لعب عيال"  أمام "نداء الجهاد" و"صوت البندقية" وصار هذا الخط محاصرا بين معسكرين كل يلفظه ويرميه للمعسكر الثاني: معسكر المواجهة (التنطع) ومعسكر المشاركة (التخاذل).

  أما في خصوص السؤال الثاني، فالجواب لا يقل بداهة ولا يختلف نظريا حوله معارضان وطنيان. ولن نزايد على إجماع الفاعلين في الساحة ـ إلا من استثنى نفسه من المهووسين بالخلاف الإيديولوجي ـ بضرورة نبذ الخلافات والتقاء المعارضة بمختلف أطيافها حول مشروع وطني مشترك، كعشرات التجارب الناجحة حول العالم، يضمن لها في أقصى الحالات تحقيق التغيير المنشود وفي أدناها افتكاك بعض الحقوق ودفع السلطة للتراجع ولإحداث نوع من الإصلاح الذاتي لضمان  تجددها وتواصلها.

يظل هذا الشرط هو مربط الفرس لأي تغيير منشود. وهو يفترض تأسيس إطار جامع للتفكير والتقرير والتنزيل، وتقديما لمصلحة البلاد العليا على المصالح الفئوية والشخصية الضيقة، ومزاوجة في الممارسة المشتركة بين صلابة المواقف المبدئية ومرونة التفاوض من أجل تحقيق الأهداف، الأهم فالمهم.

  يتطلب كل هذا خطوات أولها "وقف إطلاق النار" بين قادة المعارضة أي إيقاف حملات التشويه والتخوين المتبادلة المعلنة أحيانا و المبطنة أحيانا أخرى. ثم القيام بخطوات لإعادة بناء الثقة التي اهتزت. وإن صعب الأمر على زعامات الأحزاب أن تقوم عمليا بهذه الخطوات، بل قد يستحيل الأمر نظرا لمخزون الخلافات بل قل الأحقاد الراكدة بينها، فلتترك أمر بناء الثقة وإحياء العلاقة إلى القيادات الشابة الخالي ذهنها من هذه الاعتبارات. عندئذ يصبح الالتقاء ممكنا والعمل من أجل تحقيق الأحلام المشتركة واقعا.

الآن وقد أجبنا على السؤالين، يمكننا القول، انطلاقا من تقديرنا لدقة المرحلة ووعينا بشروط الخروج منها، أن إحياء المؤتمر من أجل الجمهورية وإعادته إلى ساحة الفعل والفعالية يتطلب إحداث تغييرات حقيقية عناوينها الكبرى :

ـ إعادة بناء المؤسسات الداخلية للحزب ووضع آلية قانونية لفض النزاعات إن وقعت وتنقية الأجواء الداخلية عبر استبعاد الحساسيات الإيديولوجية والشخصية المفرقة.

  ـ تطوير خطاب المؤتمر من خطاب "ثوري" حاد يعبر عن الحقيقة "الطهورية" ويغازل الوجدان الشعبي المائل بطبعه دوما للتصعيد و"التجنيح"، إلى خطاب متزن يعرف حدوده ويحترم إمكانياته، يحافظ على ثوابته دون توتر أو تشنج، يناصر الأصدقاء ويلاطفهم دون تملق، ويتصدى للغرماء بحزم وصرامة دونما تهديد ووعيد.

إن مثل هذا الخطاب أقدر، بنظرنا، على طمأنة شركاء الماضي والمستقبل وعلى فتح قنوات اتصال مع القوى الداخلية والخارجية المؤثرة في وضع البلاد وعلى تفعيل طاقات كثيرة تتعاطف مع المؤتمر لجرأته ولكن تخشى الاقتراب منه لـنزوعه الصدامي وحديته.

 ـ السعي لإعادة بناء جسور الثقة مع إخواننا في المعارضة الوطنية الديمقراطية والإسلامية وخفض الجناح لها وتجاوز الخلافات ومن ثمة المساهمة في إعادة طرح مبادرات ومشاريع للعمل الوطني تبني على المشترك وتحترم الخصوصيات والتقديرات المختلفة.

ـ بناء إستراتيجية جديدة للاتصال توصل أفكارنا وتصوراتنا الى فئات من المجتمع كنا نلحقها تعسفا بالسلطة من مثل الإدارة التي لولا وجود وطنيين مخلصين فيها لسقطت الدولة منذ زمان تحت وطأة الفساد والانفراد بالقرار ومن مثل النقابة التي تشهد انبعاثا جديدا خصوصا في صفوف القيادات الوسطى القطاعية والجهوية ومن مثل الإعلام الذي بدأ ينفض عنه تدريجيا غبار التبعية والرقابة الذاتية الخانقة، إضافة الى فئات أخرى أهملناها سابقا من مثل الطلبة من مختلف الأطر والتيارات والمهاجرين المتشبعين بقيم الديموقراطية والتداول في بلدان إقامتهم والحريصين على تقدم وازدهار بلدهم الأول : تونس.

 ـ إدخال جرعات من المرونة في سلوكنا السياسي تمكننا من تقديم أهداف صغرى على الأهداف الكبرى كلما اقتضى الأمر ومن التحاور مع السلطة إن فتح الباب ومقايضة الاعتراف الواقعي بها بإجراءات إصلاحية حقيقية تصب في خانة الوئام الوطني المطلوب. مع التأكيد على أن تكون هذه المرونة مقيدة بضوابط مبدئية صارمة تمنع المساومة على الثوابت وترفض سياسة اليد المرتعشة الممدودة دونما مقابل، وتقف بعين المرصاد لمحاولات شراء الذمم وتمييع القضايا.

هذا ونختم مراجعاتنا بالتأكيد على :

 ـ اعتزازنا بالانتماء إلى حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وتمسكنا به كقلعة من قلاع النضال من أجل مستقبل أفضل لبلادنا ووفاءنا لمناضليه خصوصا لصديقنا سليم بوخذير سجين الرأي المنكل به حاليا في سجون النظام واعترافنا بالفضل لكل من رافقنا مسافة من الطريق الصعب ثم مضى، مستودعين إياه وطنا لن تضيع ودائعه.

  ـ صداقتنا وتقديرنا لكل الشخصيات المناضلة من أجل الديمقراطية في بلادنا من مختلف التيارات والانتماءات ودعمنا لكل الأحزاب والجمعيات العاملة من أجل تحقيق ذلك الهدف واعتبارها مكاسب وطنية وممتلكات عامة ينبغي الذود عنها ونصرتها في الحق حتى يستوي بنياننا على أركانه قويا معافى.

ـ حرصنا الكبير، نحن اللاجئين اضطرارا والمُهَجَّرَيْن ظلما وعدوانا، على حقنا في العودة إلى وطننا دونما قيود أو شروط، ورفضنا المطلق لأي ابتزاز أو دفع ثمن لها، ودعوتنا كل الوطنيين الصادقين أن يدعمونا ويدعموا حق كل المغتربين في العودة الكريمة إلى بلادهم بالتوازي مع دعمهم حق مساجين الرأي في الحرية والمسرحين منهم بالعيش في كرامة، وأن يلتف الجميع حول مطلب العفو التشريعي العام كمدخل لإنهاء المظالم ولبدء تحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية بديلا عن المصالحات الوهمية أو المغشوشة.

Toutes les notes