24.06.2008

...هنيئا لتونس

تموت الأسود في الغابات جوعا *** ولحم الضأن تأكله الكلاب

الإمام الشافعي

مبارك عليكم أهل تونس أجمل يد لقد كانت ڤفصية الكف جنوبية الرحم تونسية المنبت.. تخيلوا أن ڤفصة الملبدة سماؤها دائما بالغبار. المتجهمة وجوه ناسها من الصباح إلى ما بعد المساء... تصوروا هذه المدينة ذات المزاج الصاخب تنجب فتاة تفوز بمسابقة أجمل يد.. أليست هذه ثمار الديمقراطية واللامركزية الجهوية..

a625dee28ad728da5d738d311f8e6536.jpg

هنيئا لتونس بأجمل يد

يا أمة ضحكت من جهلها الأمم....

ولاية ڤفصة تخفي في شعابها قرية جبلية بعيدة عن أنظار الدولة والسماء.. قرية لا تطلب إلا لذاتها.. الشمس قريبة منها تكاد تلامسها بيديك إذا أردت.. وإن لم ترد ملامسة الشمس فلتتعلم درس من يعبرون إلى الشمس صاخبين.. هي آخر شيء في كل شيء ..

الرديف..

قرية بحجم وطن.. فيها أخشن الأيادي الوطنية منذ رسمت الخرائط والخرائب في تلك التلال.. تلك الأيدي معفرة بالفسفاط مشققة بحجارة الصوان..

وذلك هو الفوز العظيم..

ثم ماذا أقول ؟؟ في اليوم الوطني للأيادي البيضاء، الناعمة، الملفوفة في الحرير

أقول ما قاله القرآن عن فرعون:

"واستخفّ قومه فأطاعوه"

أو

وعبد قد ينام على حرير *** وذو نسب مفارشه التراب

الشافعي مرة أخرى....

595c8673b2526a93dac08511ed99645b.jpg

لقد اعتقل عدنان حاجي ورفاقه لأن يديه خشنتان ولسانه أخشن.. ومعطفه خشن.. وكل ما فيه وكل من معه وكل من سقطوا وكل من ذهبوا وكل من هربوا وكل من كتبوا.. كلهم تحت معطف عدنان يحتمون.. لأنه معطف خشن.

مبارك على أهل تونس اليدين الناعمتين

مبارك على أهل الرديف معطف عدنان

أنا لا أقدس الناس حتى أبي.. والمقدس لا يكون أهلا للتقديس إذا لم يبرهن على أنه فوق الزمان والمكان.. وعدنان في الزمان والمكان نفسه يتردد على مقهاه فإن واعدته وجدته.. وإن وعد لم يخلف موعده.. امض إليه يمض إليك.. لا يشرب الخمر الرديء دائما ولكنه يكتفي ببعض البيرة لأن كليته الوحيدة تؤلمه... أنا لا أقدس أحدا ولكنني أحببت عدنان هذا دون أن أراه.. وحينما قررت رؤيته أخذوه ليلا وتركوا لي الذاكرة..

هنيئا لكم أهل تونس انضافت لتاريخكم القليل يدان ناعمتان.. ومعطف عدنان الخشن.. ولكم أن تختاروا بين الحقيقة والفضيحة.. وإليكم هذا المثال:

يقدّر عدد الشهداء الذين سقطوا على مدى الفترة الاستعمارية وعلى كامل مناطق ما يسمى بالجمهورية، بأربعة آلاف شهيد.. وهذه الفترة امتدت حوالي سبعين سنة.. وفي غضون ستة أشهر من العهد الجديد الذي لا يزال جديدا استشهد ستة شباب في منطقة واحدة.. ولأهل الحساب أن يقيسوا الزمن والناس والشهداء.. ولأهل الحساب أن يحسبوا أو إن كانوا أهل حساب عليهم أن يحاسبوا وأن يقارنوا بين الزمنين وأن يتكلموا قبل فوات الأوان..

كلنا يتذكر فيلم البريء بطولة أحمد زكي وإخراج عاطف الطيب.. ألم يخض البطل حروبا في المعتقل مع أعداء الوطن وفي النهاية اكتشف الحقيقة وسقط الناي..

حقيقة هذا الفيلم تجري في الرديف من دون مخرج أو كاميرا إلا ما ندر.. فتصورا الجيش الوطني يصبح خادما للبوليس الوطني.. ولا ضير، ماداما يبحثان عن مصلحة الوطن.. فكلاهما وطني كما يدل الاسم. ومصلحة الوطن تقضي بإبادة أعداء الوطن وهم في مدينة الرديف يعششون ويفرخون..

وكل صباح مشية عسكرية:

أنا الجندي أنا البطل... أنا السباق للقتال

لكن قتال من؟

إذن الصحيح أن نقول:

أنا الجندي أنا "الطبل" ... أنا السباق "للقتل"

الجيش يدخل إلى الأحياء الغنية بالشباب.. يحاصرها.. ويترك المجال للبوليس الفقير ليأخذ ثروات الناس من المحلات وليقتل إذا لزم الأمر.. ومن علامات الرجولة الوطنية أن يظهر بعض الأشاوس من البوليس الوطني عورته أمام نساء الرديف..

ذكرني بعورة عمرو بن العاص أمام علي بن أبي طالب في معركة صفين حينما خاف من الموت فكشف عن عورته فاستنكف علي عن قتله..

تصوّروا جيشا وبوليسا يكشفون عوراتهم ويحاصرون قرية أنهكها المرض والتلوث وأعباء الزمن.. يريدون إطفاء آخر شمعة فيها..

مبارك لكم أهل تونس انطفاء الشموع

انتهى الفيلم وكعادة الجينيريك فإننا نتوجه بالشكر إلى كل من ساهم في إعداد هذا العمل التاريخي العظيم وإخراجه.. أهنئ الجماعة الآتي أسماؤهم بانطفاء الشموع. وأرتبهم بحسب الأهمية:

برهان بسيس وبوبكر الصغير وعمارة العباسي وشركة فسفاط قفصة والاتحاد العام التونسي للشغل وأمينه العام خليفة فرحات حشاد وابن محمد علي الحامي وتلميذ الحبيب عاشور السيد جراد وهو لقب على مسمى.. ووزير العدل وحقوق الإنسان ووزير الداخلية ووزير الدفاع والأمين العام للحزب الحاكم ورئاسة الجمهورية ورؤساء الشعب ومدير الإذاعة والتلفزيون والشرطي البطل الذي أدخل في دبر الشاب جابر طبابي عصا والبوليس الهمام الذي كشف عن عورته.. وفندق قمرت الذي نظم مسابقة الأيادي الناعمة وسجن زروق في قفصة.. ورئيس فرقة الأنياب أو الكلاب.. وكل الصحف التونسية.. من الحرية إلى الشروق إلى الصباح... حتى الغروب...

أسوق لهم جميعا

أما ترى البحر تعلو فوقه الجيف **** وتستقر بأقصى قاعه الدرر

ثم لا يفوتنا أن نشكر..

كل الأحزاب المعارضة والمثقفين الصغار والكبار والمفكرين والمتدينين والملحدين والليبراليين والمتسولين والجمعيات الحقوقية والقضاة والمحامين والمجتمع المدني الذي لا أعرفه.. وأشكر كل الشعب التونسي الشجاع الهمام الثائر أبدا الذي يعطي درسا للشعوب فاق الدرس الفلسطيني في النضال ولا أستثني منهم أحدا.. نشكر كل هؤلاء وأولئك على بيانات التنديد القصيرة وما يحملونه في القلوب من حزن ووجل. نشكرهم كما نقول باللهجة التونسية على "الماخذة بالخاطر". ونقول لهم أتعبتم أنفسكم وكتبتم ليتكم بكيتم أو سكتم يا أشباه الأحزاب والناس...

ثم أرجوهم أن يتركونا لوحدنا سنخبز خبزنا بدم وطين وإذا مات عدنان فأرجوكم لا تولولوا ولا تحزنوا ولا تمشوا في جنازته يكفيه أهل الرديف يصلون عليه ليضمن جنة البشر والرب...

"يريدونني ميتا

كي يقولوا كان منا وكان لنا"

محمود درويش

خيبان - الرديف

03.06.2008

شباب تونس: "الحرقة" هي الحلّ

إسماعيل دبارة

تزايدُ محاولات الهجرة غير الشرعية من السواحل التونسية والليبية نحو إيطاليا مع تحسّن الأحوال الجوية في عرض البحر الأبيض المتوسط يبدو سمة الأسابيع الثلاث الأخيرة. ففي حادثة هي الأكثر مأسوية منذ مطلع سنة 2008 توفي ما لا يقل عن خمسين مهاجرًا أفريقيًا غير شرعي من ضمنهم سيدة بعدما جنح المركب الذي كانوا يستقلونه إثر عطل أصاب محركه.

16 من المسافرين الناجين طلبوا النجدة بعد اقتراب المركب الصغير الذي دفعته الرياح إلى السواحل التونسية وأعلموا خفر السواحل التونسيين الذين أنقذوهم - خلال التحقيق معهم - أن زملاءهم قضوا جوعًا وبردًا بعدما أمضوا أكثر من أسبوع في عرض البحر، ما اضطرهم لإلقاء جثثهم في البحر خوفًا من تعفنها.

وفي سياق متصل، أكدت صحف محلية العثور على ثماني جثث من ضمن القتلى في عملية إبحار غير شرعية من سواحل مدينة المهدية (وسط) منذ أيام أدت إلى وفاة أو فقدان 23 شابًا جميعهم من التونسيين بعدما جنح المركب الذي كانوا يستقلونه على بعد سبعين كيلومترًا من السواحل التونسية.

بهذه الأحداث المأسوية بدأ "موسم الهجرة إلى أوروبا " الذي يشهد تطورات دراماتيكية كبيرة في مثل هذه الفترة من كل سنة، الأمر الذي يُنبئ بصيف ساخن جدًا خصوصًا مع تزايد المحاولات الفاشلة للهجرة وإرتفاع الضحايا وتشدّد خفر السواحل الايطالية والتونسية والليبية في التعرض لهؤلاء الخارجين عن القانون كما يحلو لبعضهم تسميتهم.

مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين تقول إن نحو 20 ألف مهاجر إفريقي وصلوا العام الماضي الى ايطاليا على متن قوارب قادمين من شمال إفريقيا من بينهم ما لا يقلّ عن 471 غرقوا أو اعتبروا في عداد المفقودين.

قضيّة الهجرة السّرية أو غير القانونية أو "الحرقان" كما اصطلح الشباب على تسميتها، لم تعد مجرّد خرق للقوانين والتراتيب الإداريّة المنظّمة للهجرة، أو مجرّد حالات شاذة تحصل بين الفينة والأخرى، إذ تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى ظاهرة اجتماعيّة لها مبرراتها الاقتصادية والسياسيّة والثقافية.

وعلى الرغم من التشريعات التونسية الزجريّة والصارمة والتي عوّضت عقوبة الهجرة السريّة من شهر سجنا إلى 15 سنة في بعض الحالات كما ورد في قانون الهجرة السرية، وعلى الرغم من ارتفاع التكلفة الماديّة "للحرقان" والمستقبل المجهول الذي يتنظر المغامر بحياته في الدولة الأوروبية التي اختارها أو حلم بالعيش فيها، إلا أن وتيرة محاولات الهجرة السريّة عبر الشواطئ التونسيّة ارتفعت بشكل ملحوظ حتّى أصبحت المادة الأولى للصحف المحلية ومختلف وسائل الإعلام التونسي.

وعلى الرغم من تركيزه في تغطيته على أن الموتى ليسوا تونسيين، وإنما من دول افريقية فقيرة، لم يتمكن الإعلام التونسي من إقناع جمهوره المتعطش لمعرفة أخبار "الحراقة" بذلك.

وسام (ع) شاب يبلغ من العمر 25 سنة أصيل منطقة جبنيانة (جنوب)، حكايته مع البحر والحلم الأوروبي المنشود ارتبط بشبح الموت و بالسجون.فقد قضى سنة وشهرين سجنًا بسبب محاولتين فاشلتين للهجرة عبر السواحل التونسية إلى ليبيا المجاورة وثم إلى ايطاليا، لكن محاولاته تلك باءت بالفشل الذريع وآلت به إلى ظلمة السجن، فهل تاب وعاد إلى رشده؟

"حاولت مرتين وعوقبت وإلى اليوم لم ادرِ لمَ عوقبت بالضبط ؟ هل يعاقب الإنسان في تونس لأنه طمح إلى تحسين مستوى عيشه؟ هل يعاقب لأنه حاول البحث عن شغل في مكان آخر بعد أن عجز أخوته وأهله عن إيجاد شغل شريف له ؟هذا منطق لا يمكنني فهمه بتاتا...مستعدّ لتكرار التجربة للمرة الثالثة لو أتيحت لي الفرصة فالسجن و البطالة أضحيا سيّان بالنسبة لي...الحرقة هي الحلّ الأمثل إلى أن يأتي ما يخالف ذلك."

حالة الشاب وسام لم يجد لها الدكتور سامي نصر الباحث في علم الاجتماع وصاحب عدد من الدراسات في موضوع "الحرقان" من تبرير سوى القول إن: "تدني مستوى المعيشة وارتفاع تكاليف الحياة، وعدم تكافؤ فرص العمل من الأسباب التي تجعل شبابنا يصرّون على المقامرة بحياتهم بحثًا عن مستقبل أفضل لهم.

ويضيف: 'من الطبيعي والمعقول أن يحلم كل شاب تونسي بالاستقرار في إحدى دول الشمال إما للشغل أو للدراسة أو غير ذلك، خصوصًا بعد أن اكتشف الشباب الهوة الشاسعة التي تفصل بين نمط عيش أوروبي مقبول ومريح، وبين واقع تونسي صعب للغاية للشباب، خصوصًا لمن لم يواصل تعليمه إلى الدرجات العالية، وهو ما أدى الى حالة من اليأس والقنوط تجعلهم يتسابقون نحو قوارب الموت التي أضحت رديفا للخلاص والعيش الرغيد'.

حالة نسيم 30 سنة أصيل منطقة بن قردان تبدو مؤثرة للغاية، فالشاب قضى في عرض البحر 9 أيام بلياليها بعد أن ظلّ مركبه الذي كان يضم 15 شخصًا طريقه وثم تعطّل وتلاطمته الأمواج إلى أن رصدهم خفر السواحل الايطاليون وأعادوهم إلى تونس ومباشرة إلى السجن بذات التهمة المألوفة.

"عندما أسمع أن أترابي و أصدقائي و رفاق صغري يعيشون بفرنسا الآن عيشًا رغيدًا، ويعودون كل صيف بأبهى الحلل وبأفخر السيارات ينتابني نوع من الغبن والغيظ... فهل هم أوفر مني حظًا؟ أم هم أشجع مني لما غامروا وفازوا في نهاية المطاف؟ حسمت أمري وقررت السير على نهجهم... لكن "عكستني الرياح" هكذا يفسر لإيلاف التي سألته أيضًا هل فكر في والديه، أخوته وفي مصيره، وفي شبح الموت الذي يترصّد "الحرّاقة" في عرض البحر، فردّ بلا تردد: من يفكر في حياته أو أهله أو إخوته وقتئذ؟... كل ما أفكر فيه هو فرصة العمل والثراء وأوروبا المتفتحة والتخلص من الظلم والحيف الاجتماعي الذي عانيت منه الأمرّين، ثم إن هنائي ورقيّي الاجتماعي يعني رقيًّا وهناء لعائلتي من بعدي.

ويرى الدكتور سامي نصر أن القضية تسير نحو الأسوأ والأخطر فازدياد أعداد القتلى تدل على أن الحلول الأمنية لاقت فشلاً ذريعًا في التصدي لمحاولات الهجرة غير الشرعية، وحتى مع تضافر الجهود الأوربية والشمال افريقية في هذا الموضوع لا يزال عدد المتسلّلين بحرًا يعدّ بالعشرات الأمر الذي يستدعي حلولاً سياسية واقتصادية واجتماعية لا حلولاً أمنية.

ويقول: لطالما تحدث الإعلام وكرر حديثه عن الموضوع، اعتقد أن أسباب الظاهرة فُهمت الآن بشكل جيد، متفقون على أن أسباب الهجرة السرية عادة ما تكون اقتصادية بفعل البطالة وتدني مستوى العيش لدى الشباب التونسي. فما الذي ننتظره لإيجاد حلول جذرية لمشكلة البطالة؟ الجدية تنقص المسؤولين التونسيين ليعالجوا هذه الظواهر الكارثية، شخصيًا أستغرب من خطاب رسمي يؤكد على أهمية الشباب ويرفع شعار "الشباب هو الحل وليس المشكل" في حين تبقى مشاكل هذه الفئة العمرية من دون حلول حقيقية".

وتبقى المشكلة قائمة في تونس، على الرغم من الإجراءات التي سارعت السلطات إلى اتخاذها بمعية عدد من الدول الأوروبية خصوصًا في إطار معاهدة برشلونة الشهيرة التي وقعت عليها 12 دولة متوسطية. إضافة إلى خطط وإستراتيجيات عملية تهدف إلى اعتراض المهاجرين سرًا والتصدي لمحاولاتهم في التوجه شمالاً أو تقديم النجدة والإسعافات لهم في حالة حدوث ما لا يحمد عقباه.

حلول لم تفد "أم هشام" أصيلة محافظة "مدنين" الجنوبية في شيء لما فقدت ولديها في يوم واحد و هما يحاولان "الحرقة" إلى أوروبا انطلاقًا من شاطئ جرجيس. وتقول بحسرة: 'صدق من سماها حرقة يا ولدي فو الله الحرقة تملا قلبي الجريح على فلذات أكبادي على الرغم من مرور سنتين على وفاتهما في عرض البحر الغادر، أدعو الله أن يبعد هذا البؤس عن أولادنا ويحفظهم"

إسماعيل دبارة - إيلاف - الثلائاء 3 يونيو/جوان 2008

29.05.2008

كرة القدم أداة الاحتجاج الاجتماعي في الجزائر وتونس

أعمال الشغب مستمرة في وهران لليوم الرابع على التوالي

استمرت الأربعاء في مدينة وهران، ثاني كبريات مدن الجزائر، أعمال الشغب بين قوات الأمن وأنصار غاضبين على هبوط فريقهم، الذي يعدّ واحدا من أعرق الأندية العربية والأفريقية، إلى الدرجة الثانية. واستخدمت قوات مكافحة الشغب وفرض النظام قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين الذين تجمعوا لليوم الرابع على التوالي، وفق ما أبلغ به صحفي جزائري CNN بالعربية.

وقال الصحفي مجيد بن حملات، إنّ الاشتباكات استمرت الأربعاء حتى ساعات الليل، "وزادت وتيرتها" مقارنة باليومين السابقين.وأضاف أنّ المحتجين كرروا شعارات تنطوي على اتهامات صريحة "للسلطات المركزية بتنظيم هبوط" فريقهم إلى الدرجة الثانية، للمرة الأولى منذ عقود.وقدّر عدد الجرحى بأكثر من مائة، ونسب لمسؤول في الشرطة المحلية قوله إنّ عدد الجرحى في صفوف قوات الأمن "كبير"، في حين ذكرت مصادر بأن العدد وصل إلى 40.

واعتقلت قوات الأمن عشرات المحتجين، لاسيما أولئك الذين أحرقوا ونهبوا محّلات تجارية وسيارات، إضافة إلى إلقاء القاذورات في أغلب شوارع المدينة الحيوية. ويرى المتظاهرون أنّ السلطات الرياضية في البلاد "غضّت الطرف" عن تلاعبات قامت بها أندية أخرى أدّت في النهاية إلى هبوط فريقهم.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، ردّد مسؤولون صدى اقتراحات "باعتبار الموسم الرياضي أبيض"، أي اعتباره وكأنّه لم يكن، وبالتالي إلغاء جميع النتائج وإعادته من جديد. ومن جهته، اعتبر وزير الاتصال الجزائري عبد الرشيد بوكرزازة أنّ "النهاية المثيرة للجدل للموسم الرياضي هي مبعث انشغال لدى السلطات العمومية."

"فريق الشعب" ضدّ النجم الساحلي

وفي تونس، وبعد نهاية الدوري بتتويج الأفريقي بطلا واكتفاء النجم، حامل اللقب بمركز الوصيف، مازالت التعليقات في الشارع بخصوص نهاية الموسم.وأظهرت صور تلفزيون "حنبعل" التونسي الخاص أنصار النجم الساحلي وهم يحلمون لافتات أثناء مباراة فريقهم ضمن كأس تونس، يعتبرون فيها رمز النسر(علامة البطولة في تونس) الذي أحرزه الأفريقي "نسر العار."

وقال الصحفي الفرنسي جيرار دوبون، الذي يجري سلسلة تحقيقات حول لاعبين محليين يتأهبون للاحتراف في أوروبا، في تصريحات لـCNN بالعربية إنّ الظاهرة ليست جديدة على تونس، حيث كثيرا ما تمّ اتهام الترجي التونسي بكونه يتلقى محاباة السلطات الرياضية لعدة سنوات.وأضاف: "لا يكاد يمرّ موسم رياضي في تونس من دون أن نشاهد مشاكل على علاقة بالجهويات (أي تفضيل جهة على أخرى)، ولكن كانت دوما لا تخرج عن إطارها الرياضي، على خلاف هذا الموسم."

وقال دوبون: "هذا الموسم، شاهدنا فيه أزمة النادي الصفاقسي الذي اتهم السلطات العليا بتنظيم مؤامرة ضدّ فريقه، ثمّ جاء دور النجم الساحلي الآن ليلقي بتبعات فشله على ما يعتبره هو أيضا مؤامرة."وفي حالة الصفاقسي، لقيت تصريحات رئيسه، صلاح الدين الزحاف، استنكارا كبيرا "مجمعا عليه تقريبا" وفق دوبون، بسبب أنّ الوضع لم يكن كما صوّره.

أما بالنسبة إلى النجم الساحلي "فإنّ الأخطر ليس الاتهامات التي يسوقها النجم، حيث أنّها واهية بالنظر لجدارة البطل بلقبه، ولكن تبدو حسب رأيي ردا على ما شهده النجم من مقاومة كبيرة جدا من فريقين من الجهات الأفقر، وهي قفصة وقابس،" حسب دوبون.

وقالت تقارير إنّ الحافلة التي تقلّ لاعبي النجم الساحلي بعد مباراتهم أمام الملعب القابسي ضمن الأسبوع الأخير من الدوري، كانت هدفا لرمي الحجارة والشتائم على طول طريق عودتها من مختلف الأنحاء التي عبرتها.وفي نفس الوقت، وفيما يعدّ أمرا نادرا، كانت الحافلة التي تقلّ لاعبي الأفريقي عند عودتهم من باجة، وهم أبطال، تلقى التحيات وهي في طريقها إلى العاصمة.

كما أنّ عدة "مسيرات فرح" شهدتها عدّة مناطق تونسية من شمالها إلى جنوبها، احتفالا بفوز "فريق الشعب"(حسبما يصرّ أنصار الأفريقي على تسمية فريقهم) للمرة الأولى منذ 12 عاما.

وعلى المنتديات الإلكترونية التونسية، كتب البعض أنّ ما حدث في ذلك اليوم الإفريقي في باجة والنجم في قابس "يبقى من الأحداث التي سيذكرها التاريخ على مدى أجيال، وهي أحداث لا علاقة لكرة القدم ولا للرياضة ولا حتى للفريقين بها."

وأضاف الكاتب: "فبينما خرج السكان في مختلف المدن والقرى التي مر بها الموكب الأول بالهتاف والزغاريد ورفع الأعلام، كان الموكب الثاني يشق بصعوبة رحلة محفوفة بالمخاطر، عرضة القذف بالحجارة والإعتداء على السيارات وتحت وابل الشتم والإستهزاء والتعيير، وفي كل مكان في عداء صريح بدون تحفظ أو أدنى اعتبار لكل ما أحيط به من حماية واحتياطات."

واعتبر البعض أنّ للأمر علاقة بما يحدث في محافظة قفصة من احتجاجات اجتماعية بسبب انعدام فرص العمل والحياة الكريمة "التي يستأثر بها الساحل التونسي،" حسب دوبون.

وفي حالة الجزائر، قال دوبون، إنّ "الأمر واضح، فهو احتجاج اجتماعي بحت، اتخذ صبغة رياضية.. فجهة وهران تصل فيها نسبة البطالة إلى 70 بالمائة."

وأضاف: "شهدت الجزائر في الآونة الأخيرة، كما تعرفون، احتجاجات للحصول على منازل، ولاسيما في جهة وهران، التي تعدّ من أكبر المناطق في الجزائر. وفي تقديري أنّ ردود الفعل العنيفة جدا من قبل أنصار المولودية، وتهشيم رموز الثروة، هو إعادة للأذهان بكون الأمر يتجاوز كرة القدم."

ويقول محللون إنّ لجوء الناس إلى الشغب في الملاعب أو بسبب مباريات كرة القدم، سواء في المغرب العربي أو حتى في الضفة الأخرى من المتوسط، مردّه حزمة العقوبات القاسية للتعاطي مع الإرهاب، والتي تتخذها السلطات في بعض الأحيان ذريعة لتسليط عقوبات قاسية جدا لقمع المحتجين.

ولذلك، حسب دوبون، فإنّ "كرة القدم هي الميدان الآمن للاحتجاج، لأنّه ما من أحد يمكن أن يتّهم مشجع فريق ما بالإرهاب أو ممارسة السياسة."

CNN بالعربية  – 29 ماي2008

20:20 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Société | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note

20.04.2008

عريضة نقدية لوضع اتحاد الشغل: كوادر ومسؤولون نقابيون يحذّرون من الوضع الراهن للمنظمة الشغيلة ويدعون إلى تحرّك جماعي مسؤول لإنقاذ الاتحاد

0129c62b36afd846bf8a51a2cb690753.pngتونس ـ الصباح: ناشد عدد من الكوادر النقابية المعروفة، جميع النقابيين العمل والتحرك لكي يستعيد الاتحاد العام التونسي للشغل حجمه ودوره الوطني الذي افتقده خلال السنوات الماضية.. وأهاب نحو ثلاثين كادرا نقابيا، في عريضة حصلت "الصباح" على نسخة منها، بالفاعلين والقواعد النقابية في جميع الهياكل والقطاعات، تجاوز خلافاتهم و"التجنّد لانقاذ الاتحاد من الانهيار والتلاشي" على حدّ وصفهم..

وجاء في هذه العريضة، الاولى من نوعها التي تضم شخصيات ذات ثقل نقابي، بينها أسماء كانت تقلدت مناصب بارزة صلب قيادة اتحاد الشغل أو ضمن هياكل نقابية إقليمية لسنوات طويلة، أن "الاتحاد يمرّ منذ سنوات بأزمة هيكلية وقيميّة مزمنة، أصبحت تهدد كيانه بعد أن أفقدته الكثير من مصداقيته ونجاعته"، سواء في علاقة بالفئات الكادحة التي تواجه تحديات معاشية كبيرة، أو في "القيام بدوره الوطني في القضايا الاساسية"، حسب قول الموقعين على العريضة..

وقال هؤلاء، أن ذلك انعكس على مستوى "الانخفاض الحاصل في عدد المنخرطين في الاتحاد، واضمحلال عديد القطاعات المهنية، إلى درجة أن تمثيليته باتت منحصرة في بعض فئات الوظيفة العمومية"..

وانتقد أصحاب العريضة، ما وصفوه بـ "تدهور الروح النضالية والقيم الاخلاقية النقابية"، و"تسلط وفساد مالي وعشائرية ومحسوبية في تسيير العديد من الهياكل والمؤسسات النقابية، وبخاصة في مستوى القيادة المركزية للاتحاد"، على حدّ قولهم..

وفي عملية تقييم عاجلة للقيادة المركزية للاتحاد العام التونسي للشغل، أشار هؤلاء إلى عجز القيادة النقابية "على تطوير الارث النضالي للاتحاد"، وعدم "تصديها لما تفرضه التحولات المحلية والكونية في عالم الشغل وطبيعة اقتصاديات الدول النامية، مثل تونس"، منتقدين "غياب البعد الاستراتيجي لرؤية الاتحاد"، و"عدم قدرته على التسيير اليومي العادي للمنظمة الشغيلة"، حسب قولهم..

وتأتي هذه العريضة، قبيل بضعة أيام من إحياء النقابيين لعيد الشغل يوم غرة ماي المقبل، بما قد يعطيها أبعادا نقابية شديدة الحساسية..

الجدير بالذكر، أن من بين المجموعة الموقعة على هذه العريضة، السادة عبد النور المداحي وسليمان الماجدي ونور الدين الفطحلي ومحمد الهادي التواتي والمنصف عقير، (الذين سبق لهم أن تقلدوا مناصب صلب المكتب التنفيذي للاتحاد في فترات عديدة سابقة)، بالاضافة إلى المناضل النقابي المعروف، علي الضاوي، (الكاتب العام لنقابة العدلية)، والسيد الحبيب بسباس، (الكاتب العام السابق لجامعة البنوك، والامين العام السابق للاتحاد النقابي لعمال المغرب العربي)، إلى جانب عديد الكوادر النقابية الاخرى التي تقلدت مواقع مسؤولية عديدة..

ومن المتوقع، أن ينضم إلى هذه العريضة، عدد آخر من النقابيين، فيما لا يستبعد أن تطور المجموعة من آليات تحركها خلال الايام القليلة المقبلة..

صالح عطية الصباح – الأحد 20 مارس 2008

16.04.2008

الدروس الطوال مما رأته الرديف من أهوال

بقلم خيبان

أوصى عبد الملك بن مروان ابنه الوليد قائلا: يا بني أوصيك بثلاثة أقاليم وبثلاثة رجال. أما الأقاليم فأوصيك بأهل الشام هم أهلك اضرب بهم عدوك وأهل الحجاز هم أهل دعة فاتركهم وأما أهل العراق فإذا طلبوا منك في كل يوم وال افعل. أما الرجال فأوصيك بعبد الله بن عمر عابد زاهد اتركه يتركك وعبد الله بن عباس ذكي فطن إذا طلبك فأعطه وأما عبد الله بن الزبير فهو خب ضب إذا لقيته فقطعه إربا إربا".

هكذا هي الدولة دائما تحتكر تصنيف المجتمع. وكما قال فوكو تحتكر العنف في المجتمع. وللعنف وجوه منها المادي والمعنوي والرمزي. ولعل أبرز مظاهر العنف الرمزي هي التسمية فالدولة تطلق التسميات وتسمي الناس بغير أسمائهم. وكذلك الأقاليم. كما فعل عبد الملك بن مروان مع البلاد والعباد حيث اختزل الجميع في ثالوث أزلي في علاقات السلطة بالمجتمع: هذا معي وذاك ضدي والآخر نائم.

ويبدو أن هذا الثالوث الذي ابتدعه هذا الخليفة الظالم هو قدرنا (لا تنسوا أنه في عهده هدمت الكعبة وفي عهده بطش الحجاج كما أراد). في تونس أقاليم تسمى بأهلها: السواحلية، الصفاقسية، القفاصة، شمال غربي، الجرابة... ما أشبه الليلة بالبارحة وما أشبه ما قاله عبد الملك بما نراه. فمنذ الاستقلال قسم بورقيبة الأقاليم فليس خافيا على أحد كره بورقيبة للشمال الغربي وحملة التشويه التي استمرت حول ما اصطلح على تسميته بــ KJB (كاف – جندوبة - باجة) وليس خافيا على أحد دلال بورقيبة للمنستير وليس خافيا على أحد كلام بورقيبة عن الفلاقة (قطاع الطرق) ليصف الثوار وبعد انقلاب الأزهر الشرايطي اسمعوا بورقيبة (على YouTube) في حوار مع التلفزيون الفرنسي كيف يتحدث عن قفصة التي بنتمي إليها أغلب من شارك في الانقلاب.

وخلف من بعده خلف لم يبدل تبديلا. وأصبحت حمام سوسة ومنطقة الساحل بشكل عام جنة المأوى يطيب فيها العيش وفيها ملك لا يبلى.. "فهم أهلك اضرب بهم عدوك..." "..اللهم اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات" تلك كانت دعوة ابراهيم لمكة. اللهم اجعل هذا الجنوب خربا وارزق أهله من الهراوات (طبعا الجنوب بالمعنى السياسي وليس الجغرافي أي الجهات المحرومة في البلاد).

ما حدث في منطقة الحوض المنجمي وبلغ ذروته في مدينة الرديف يعتبر حالة شعبية نادرة في تاريخ الدولة الوطنية التونسية. فلم يحدث في تاريخ البلاد أن تعتصم قرى بأكملها لمدة ثلاثة أشهر مطالبة بالخبز والكرامة والعدالة الاجتماعية. ولم يحدث في تاريخ هذا البلد السعيد أن يتظاهر آلاف الشباب لمدة تسعين يوما دون أن تكسر نافذة محل أو يسيل دم إلا في الليلة التي اقتحم فيها الأمن البلدة. ثم لم يحدث في تاريخ هذا البلد الآمن أن تحاصر الدولة قرية يسكنها 30000 نسمة بأكثر من 5000 آلاف أمن هذا دون احتساب عدد الكلاب.. لأن في الأمن فرق كلاب كما هو معروف. ولا أدري هل رئيس تلك الفرقة كلب من الكلاب أم بشر له أنياب. أي رجل أمن لكل 6 مواطنين في حين لدينا طبيب واحد لكل 5000 مواطن.

ولم يحدث في تاريخ هذا البلد الديمقراطي جدا.. أن تهبّ حركة شعبية دون أن يتبناها حزب سياسي أو تتخذ لنفسها مضمونا إيديولوجيا مصنفا عند السلطة ضمن قائمة أعداء الوطن. ثم لأول مرة لم تستطع السلطة أن تتهم من ثاروا بأية تهمة فليسوا مؤمنين حتى تقول عنهم خوانجية وليسوا طوباويين حتى تقول عنهم ملاحدة وليسوا وحدويين حتى تقول عنهم أنهم بعثيون أو قوميون ولا يمتلكون إلا ألسنتهم سلاحا فلم تستطع وصفهم بالإرهابيين ثم ما أبعدهم عن السفارات الأمريكية والفرنسية والإيرانية حتى تقول عنهم أنهم "عملاء للخارج".

أمام كل هذه الاعتبارات أليس من واجب كل تونسي أن يستخلص الدروس مما حدث ذات شتاء في الرديف وما جاورها. وبحكم انتمائي إلى هذه المنطقة وحبي لها وبحكم معرفتي بالسلطة ككل التونسيين فأنا أستخلص الدروس التالية:

أولا: حينما تغيب الإيديولوجيا عن مجتمع ما فإنه يعود إلى ما قبل الإيديولوجيا. هذا قانون سوسيو- سياسي يكاد يكون قانونا طبيعيا. ولأن التجمع الدستوري الديمقراطي لا هوية إيديولوجية له فإنه ضم شذاذ الآفاق وتجار الدماء صفقوا لبورقيبة دهرا حتى تهرأت أيديهم ولما جاء التحول المبارك تعلموا أن يرتدوا قفازات جديدة كي لا تتهرأ أيديهم من التصفيق للعهد الجديد لأنه سيطول ويطول معه التصفيق. هذا الحزب الحاكم الذي ابتلع الدولة وهاهو يبتلع نفسه لا يعرف ما معنى إيديولوجيا أصلا.

غابت عنه الإيديولوجيا فاحتكم إلى ما قبل الإيديولوجيا أي إلى ما قبل بذور الوعي السياسي في تونس إلى ما قبل عهد الأمان إلى ما قبل 1938 حيث مات التونسيون وهم يطالبون ببرلمان تونسي. عاد بنا هذا الحزب إلى منطق الجهة والقبيلة والعائلة. فواصل دعمه لجهات وحرمان أخرى وواصل معاقبة الجهات.. وللأسف استطاع أن يرسخ وعيا جمعيا موجودا أصلا حول الجهات فالتونسي اليوم يخشى من بعض الأقاليم ويستريح إلى أخرى. ثم حينما زار الرئيس القيروان مرة ألم يقل في خطابه " يا أولاد عيار الأحرار"...

وقد ترجم هذا الوعي الجمعي المقلوب في الحياة الاجتماعية من خلال مواطن الشغل مثلا فمن يعمل في البناء في منطقة الساحل جلهم من الآفاق ومن يملك الوظائف الكبرى في البلاد جلهم من إقليم "هم أهلك اضرب بهم عدوك". كما ترجم التونسي ذلك العداء الجهوي في السياسة وحتى في الزواج فمن كان قبلاويا مثلا (ولاية قبلي) لا يتزوج إلا قبلاوية أو ما يعادلها في هامشية الإقليم كقفصة أو القصرين أو تطاوين مثلا أما حمامة حمّامية (حمام سوسة) فهذا يحدث في كل جيل مرة.

عندما تغيب الإيديولوجيا تعود المجتمعات إلى ما قبل الإيديولوجيا ولكم في بلادنا مثل إن كنتم تعقلون. فأخطر ما وقع في منطقة قفصة ويعتبر في نظري أكثر خطورة من تدخل الأمن اللطيف... يا لطيف.. أخطر من ذلك تحريك الحزب الحاكم لمسيرة في مركز الولاية ردا على مسيرة الرديف التي حدثت في نفس اليوم (10 أفريل) للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين... مسيرة الحزب رفعت شعارا لا نسمعه إلا في العراق يطالب بطرد من هم غير أصيلي ولاية قفصة من قفصة. وهذا لأن قائد الاحتجاجات السيد عدنان حاجي أصله من ولاية توزر.. رغم أنني أبلغ من العمر 35 سنة ومنذ بدأت أعي وأنا أعرف أن عدنان معلم في الرديف.

حينما أراد أفلاطون طرد الشعراء من جمهوريته الفاضلة كان يخشى على الحقيقة منهم... ولكن طرد غير أصيلي منطقة قفصة (وليس أثينا طبعا) الهدف منه الخوف على أهل قفصة وتونس من الحقيقة. تصوروا حزبا حاكما يسيّر مسيرة للمطالبة بتطهير عرقي. للرد على مسيرة شعبية عفوية تطالب بإطلاق صراح المعتقلين وهم من أصول قبلية وجهوية مختلفة جمعهم الفسفاط والشقاء والغضب. فأية إيديولوجيا يتبناها هذا الحزب الذي يعتبر من أقدم الأحزاب في العالم وأضخمهم من حيث المنخرطين (قياسا بعدد السكان) بعد الحزب الشيوعي الصيني. فيضم مليوني منخرط وتعداد تونس كلها 10 مليون فحتى الموتى تصدر لهم كل سنة بطاقة انخراط. المنخرط يظل حيا في حزبنا وإن مات... والمعارض يموت وإن كان حيا. لأنه إذا غابت الإيديولوجيا عن حزب يعود إلى ما قبل الإيديولوجيا.

ثانيا: إن الشعب لا يهان... هذا كان شعار المرحلة الماضية في الرديف وما حولها... لطالما قالوا لنا إن الشعوب العربية ليست ناضجة للديمقراطية وعلى الزعيم أن يدخلها إلى مدرسته ليعلمها ما معنى الديمقراطية... ولكن ما فعله شباب الرديف برهن أن الناس يمكن أن تحب أرضها دون أن تحرقها... ألم يخوفونا بالجزائر وما حدث فيها وبالعراق وما تعانيه "بسبب الديمقراطية..."

في الرديف كانت المعادلة غير حزبية فلا أحزاب المعارضة قادرة على أن تجيش شعبا من أجل مطالبها التي تبدو لدى أغلبها كرتونية... سكان المنطقة من الشباب حاملو شهادات علمية ولكن لديهم ميزة لا توجد في بقية المناطق وهي أنهم تربوا في عائلات وفي مدارس وعلى يد معلمين وأساتذة احترفوا الرفض وتوارثوه (وهذه ليست مبالغة أو مفاضلة جهوية وإنما أنا أتحدث عن جزء من ذاكرتي)... فما أروع أن تلتقي الشهادة الجامعية مع التنشئة الاجتماعية الرافضة..

أليس هذا درسا من الدروس الممنوعة في البلاد أرادت السلطة أن تزيله من كتاب الوطن.. شباب الرديف وأم العرائس والمظيلة أعادوا إلصاق الصفحة في مكانها... فلم يمارسوا العنف ولم يخرجوا عن النظام الذي رسمه النظام... ولو خرجوا عن النظام لذهبت ريحهم وفشلوا وتمكن النظام من محاججتهم... ولكن قوتهم في تنظيمهم العفوي... ثم حتى إذا أرادوا تحطيم الرديف وحرقها لن يجدوا ما يحرقونه إلا بيوتهم ومحلات إخوانهم وأعمامهم...

لذلك سيكون ما حدث في الرديف مفصليا في تاريخ المنطقة والبلاد.. فالوعي الجمعي رسم الصورة واضحة عن المنطقة وأهلها وشاهد بالملموس ضعف هذا النظام... لذلك سيعيد للاوعي الجمعي صورة البطولة في الأذهان وسيبني صنما آخر للزعامة غير زعامة الحزب إنه صنم الشعب الباقي... فالشعب صنم جامد إذا أراد أن يكون صنما... وهو صنم معبود وفاعل إذا أراد الناس عبادته... في الرديف حطموا صنم الوجه المكرر في اللافتات ونحتوا صنما جديدا سيعبدونه دهرا...

الدرس من كل هذا هو أن طاقة التعبئة في سبيل التفاهة كالكرة وستار أكاديمي حيث مات "الشهداء" في صفاقس.. نفس طاقة التعبئة مع قليل من الوعي التاريخي وبكثير من مجهود النخبة قد تتحول تلك الطاقة إلى حركة شعبية تطالب بحقوق المحرومين.. وبعد المطالبة بالخبز سيطالبون ربما إذا استمر وهجهم بأشياء أخرى تخيف النظام كثيرا... شباب الرديف يحب الرياضة ويشجع الفرق ويستمع إلى الفنانين التافهين.. ولكن في لحظة الجد لا يخاف ويطالب بالخبز وبالعدل والحرية...

سيذكرني أهلي إذا جد جدّهم *** وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر

ثالثا: إن تلك القناة التي يطغى عليها اللون البنفسجي وقد قيل والله أعلم أن البنفسجي من سنن الزعيم (مثلما أن الأبيض والأخضر من سنن النبي محمد). ومن رغب عن سنة الزعيم فليس منا.. لذلك ت 7 ليست منا. وقد أعجبني تعليق إحدى صحف المعارضة المصرية حيث تسمي وزير الخارجية المصري بأنه وزير خارجية "المريخ" لأنه عندما يتحدث عن مصر كأنه يتحدث عن بلد كله رخاء وازدهار وكأنه قادم من كوكب المريخ ولا يعرف مصر...

ليلة دخل الأمن إلى البيوت في الرديف (5 أفريل) كنا على موعد مع برنامج تلفزيوني يطوف البلاد للعثور على الإنجازات ومعجزات التغيير. وكانت تلك أول حلقة في البرنامج العتيد وخصصت لولاية قفصة. فهل ذلك كان اعتباطيا. كانت حلقة رائعة بمقاييس الحزب خاصة وأن الأسئلة التي تقدم إجاباتها سلفا كانت سخية في الهدية فكل سؤال بألف دينار... شباب الرديف وأم العرائس وغيرهم يشاهدون المنكر ولا يبتسمون.. الجواب صحيح والجائزة ألف دينار من المجمع الكيمياوي بالمظيلة... شباب المظيلة في الخيام معتصمون لا يملكون ثمن التبغ الرديء..

تصوروا بلدا يعالج قضاياه بهالة الركبي وعبد القادر مقداد... هذا الممثل المسرحي القدير والبوق السياسي التافه... ألا يستحي وهو يكرر كلمة العهد السعيد؟؟؟ ألا يتذكر مسرحية حمة الجريدي وصراعه مع الباي.. أليس القائل في تلك المسرحية "جواب جاي من الجريد أعطيه الوقيد".... طبعا هو يعيش في العهد السعيد ونسي حمة الجريدي. دولة تحل مشاكلها بحصة تلفزيونية.. التصفيق في الأستوديو على أنغام الفلكلور القفصي والضرب ليلتها في الرديف على أنغام الفلكلور الثوري... أليس هذا درسا مضحكا...

أما الإصلاحات الحقيقية فتتمثل في عزل أو تغيير جميع المسؤولين تقريبا في الولاية. فهم سبب الخراب أو قل كبش الفداء... والإصلاحات الأخرى تتمثل في التسريع في مشروع طمر نفايات الفسفاط.... كان من المفترض أن يتم الانتهاء من مشروع أحواض ردم مخلفات الفسفاط في 2011 فتم تقريب الموعد إلى 2009. إنه إجراء حدث بالصدفة ولا علاقة له بما يحدث في المنطقة وإنما استفاق الرئيس من حلم مزعج ففسر له مفسرو الأحلام أن الحل للخروج من الإزعاج هو "لفتة كريمة" من لدنه إلى مستنقعات الفسفاط التي طالما ابتلعت أطفالا وطالما أضرت بالماء والهواء وبالعيون والكلى وعشش بسببها مرض السرطان في الأجساد النحيلة.. وكانت... لا سرطان بعد 2009 لأن الأحوض قادمة.

لماذا ننتظر إلى 2011.. السنة القادمة يصبح الهواء عليلا في قفصة.. وفي السنة القادمة انتخابات 2009 وما أدراك... سيصبح الشعب عليلا... وخرج أهل قفصة كما قالت قارئة الأخبار التي لا تعرف الجهة وبالدليل أنها نطقت المتلوي بالمتولي ثم صححت الاسم لأن المتلوي عبارة صعبة منذ زمن طويل... خرج أهل قفصة كلهم من دون استثناء... والاستثناء حاصل في الرديف... ولكنه يحفظ ولا يقاس عليه في زمن الرداءة... خرجوا يطالبون الزعيم للترشح إلى 2009... أي السنة القادمة سيفوز الرئيس وستبنى أحواض الفسفاط لدفن النفايات والأحلام.

"وأهل العراق إذا طلبوا منك في كل يوم وال افعل"... فعزل والي قفصة وكذلك المعتمدين دفعة واحدة... وأهل قفصة إذا طلبوا منك في كل سنة حوض نفايات فافعل.. كم هي مسكينة هذه السلطة... إنها لا تعرف الكذب وإذا كذبت افتضح كذبها وهذا حال الصادقين دائما... وحال الساقطين أيضا...

" سمعت حكاية تتحدث عن دكتاتور أراد تغيير كل شيء لم يعجبه في دولته التي يملكها وعندما غير كل شيء قال لمستشاره الخاص أريد تغيير شعبي؟؟؟ قال المستشار بعدما فاض الكأس: سيدي أنا أعلم أنك رديء ولكن ليس إلى هذا الحد".

18:28 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Société | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Redyef

03.03.2008

مجموعة من النواب يتقدمون بمشروع قانون لإلغاء عقوبة الإعدام

هل تكون موافقة رئاسة المجلس الاولى من نوعها في تاريخ الممارسة التشريعية؟

8b1821d587b9511a3d706d215eba59f6.jpgتونس - الاسبوعي: ينتظر أن يتم خلال هذا الاسبوع - وفي بادرة قلما عرفها رحاب مجلس النواب - تقديم مقترح مشروع قانون أعده مجموعة من نواب المعارضة ويتعلق «بإلغاء عقوبة الاعدام» إلى مكتب الضبط بمجلس النواب، وهو الاجراء القانوني الواجب اتباعه في مثل هذه المسائل،

حتى ينظر فيما بعد رئيس المجلس في امكانية عرض هذا المشروع على أنظار الجلسة العامة وتصديق النواب عليه من عدمه وهي خطوة لم تشهدها الممارسة التشريعية التونسية منذ بعث البرلمان التونسي لأن العادة جرت أن لا تعرض وتناقش ويصادق إلا على مشاريع القوانين التي يقترحها رئيس الجمهورية أو الحكومة، أي المقترحات الصادرة عن السلطة التنفيذية.

لذلك يكتسي هذا المقترح أهمية - بقطع النظر عن موضوع مشروع القانون - لأنه يحاول مرة أخرى كسر حاجز عدم ممارسة النواب لوظيفة اقتراح القوانين التي يكفلها الدستور...

وللإشارة فإن النائبين المحاميين مصطفى يحياوي وعبد الملك العبيدي (غادرا الاتحاد الديمقراطي الوحدوي) قاما على إنجاز هذا المشروع، وقد أمضى عليه إلى حد الآن أربع نواب آخرين هم على التوالي محمد ثامر ادريس ونور الدين طرهوني وعادل الشاوش (حركة التجديد) وجميل السعيدي (الاجتماعي التحرري).

هذا وينتظر النائب اليحياوي أن تتعزز الامضاءات صباح الغد من قبل نواب المعارضة الذين مكنوا من نص المشروع ووثيقة شرح الاسباب باعتباره يمثل مناسبة لاثبات دور النائب في تحريك الحياة السياسية وتعزيز حضوره فيها وقد أكد اليحياوي كذلك أن عملية اعداد مشروع القانون تمت على مراحل عديدة واستغرقت أكثر من سنتين تم فيها الرجوع إلى عديد المراجع والدراسات والاحصائيات حول عقوبة الاعدام وتنفيذها أو إلغائها..

كما تم الاستئناس بالحملات الدولية والمبادرات التي قاومت هذه العقوبة وتدعو إلى إيقافها.

وردا على سؤال حول انتظارات المجموعة من موقف رئاسة المجلس من المقترح الذي سيقدم إليها ذكر النائب مصطفى يحياوي أنه بقطع النظر عن قبول أو رفض المشروع يأمل وزملاؤه أن يحظى المقترح بجدية الدرس والاطلاع من قبل ادارة المجلس سيما إذا ما تم النظر إلى البعد الجماعي والجدي الذي ميز هذا المقترح والموضوع الذي يتناوله.

وفيما يلي وثيقة شرح الاسباب ونص مشروع القانون المقترح:

مشروع قانون يتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام

شرح الأسباب

* لمّا كان الحق في الحياة مقدسا وغير قابل لا للتنازل ولا للإنكار.

* وبما أنه لا يحق أخلاقيا لاي سلطة بشرية مهما علا شأنها اتخاذ قرار بحرمان إنسان من حقه في الحياة.

* ولأن الإعدام هو اقصى وأقسى اعتداء جسدي ونفسي يمكن تعريض الانسان له.

* وبحكم أن الإعدام يسبب عذابا جسديا حسيا وألما معنويا للواقع عليه لا يمكن توصيفهما لا كما ولا كيفا مما جعل منه عقوبة بشعة تتنافى وما بلغته الانسانية من تطور في تقديرها للذات البشرية.

* ولأنه مهما كانت الاحتياطات المتخذة فإن القضاء باعتباره فعلا بشريا غير منزه عن الخطأ.

* ولأن عقوبة الاعدام متى تم تنفيذها لا يمكن العدول عنها أو تعويضها مما يجعل ممكنا إعدام إنسان بريء.

* ولأن الانسان مهما ساءت طبيعته يبقى هناك دائما أمل في اصلاحه.

* ولأنه ثبت أن عقوبة الإعدام ليس لها تأثير في الحد من نسبة الاجرام أكثر من عقوبة أخرى.

* ولأن الإعدام كما يمارس اليوم ليس إلا فعل انتقام تمارسه الدولة بما لها من سلطة احتكار العنف المشروع.

* وبما أن عقوبة الإعدام لم تنفذ في بلادنا منذ أكثر من خمسة عشر عاما بينما تستمر المحاكم في النطق بأحكام الإعدام الامر الذي يؤثر سلبا على هيبة القضاء كونه يفقد بذلك سلطة تقدير العقوبة المناسب توقيعها.

* ولأن الضمير البشري وعى حقيقة عدم فاعلية عقوبة الاعدام ولا إنسانيتها بدليل أن ثلثي دول العالم إما أنها تخلت عنها بنص القانون أو هي توقفت عن تنفيذها في الواقع.

استنادا إلى كل ذلك تم إعداد مشروع القانون المعروض.

مشرع القانون المتعلق بإلغاء عقبة الإعدام

الفصل الأول: تلغى عقوبة «الإعدام».

الفصل الثاني: تنقح الفقرة -أ- من الفصل 5 من المجلة الجزائية كما يلي:

«أ- العقوبات الاصلية:

1) السجن بقية العمر

2) السجن لمدة معينة

3) العمل لفائدة المصلحة العامة

4) الخطية».

الفصل الثالث: ينقح الفصل 62 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية كما يلي:

«الفصل 62

فيما يلي العقوبات الاصلية التي تصدرها المحاكم العسكرية:

1- السجن بقية العمر

2- السجن مدة معينة

3- الخطية».

الفصل الرابع: تلغى الفصول 7 و8 و9 من المجلة الجزائية والفصول 45 و46 و47 من مجلة المرافعات والعقوبات العسكرية والفقرة الثانية من الفصل 180 والفصل 223 والفقرة الاخيرة من الفصل 258 والفقرة الثالثة من الفصل 262 والفصل 342 من مجلة الاجراءات الجزائية.

الفصل الخامس: تعوض عقوبتا «الإعدام» و«القتل» حيثما نص عليهما بعقوبة «السجن بقية العمر».

الفصل السادس: يلغى الفصل 34 والفقرة الثانية من الفصل 43 والفصل 88 من المجلة الجزائية وتعوض بما يلي:

- «الفصل 34 (جديد)

يعوض عقاب السجن بقية العمر المتحتم الحكم به على الفاعلين الاصليين لجريمة لمشاركيهم بإخفاء المسروق الحاصل بسبب تلك الجريمة فحسب بالسجن عشرين عاما. ويكون الحكم بالسجن مدة عشرة أعوام في صورة ما إذا لم يثبت على المشاركين بإخفاء المسروق علمهم بالأسباب التي انجر منها الحكم على المجرمين الاصليين بالسجن بقية العمر».

- «الفصل 43 فقرة ثانية (جديدة)

لكن إذا كان العقاب المستوجب هو السجن بقية العمر فيعوض ذلك العقاب بالسجن مدة عشرة أعوام».

- «الفصل 88 (جديد)

يعاقب بالسجن مدة عشرين عام