04.12.2007
محمود درويش: أحب تونس وأعرف أن تونس تحبني
وصل الشاعر العربي الكبير محمود درويش إلى تونس عند ظهر الاثنين 03 ديسمبر 2007، ليتسلم جائزة 07 نوفمبر للإبداع التي منحها له الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وهي أرفع جائزة للفكر والثقافة تمنح في تونس. وسيقيم أمسية شعرية بتونس العاصمة مساء الخميس 06 ديسمبر 2007 ضمن فعاليات مهرجان قرطاج المسرحي الذي ينتظم في تونس بمشاركة عدد كبير من المسرحيين من تونس والعالم العربي وإفريقيا واروبا وآسيا.
وكان في إستقباله بمطار تونس قرطاج الدولي مدير المهرجان والمسرحي محمد إدريس و مدير البرمجة والإعلام بالمهرجان أحمد عامر وسعادة سفير فلسطين بتونس ثم التحق بالمرحبين رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية السيد فاروق القادومي.
وتفاجأ الشاعر درويش بالعبارة التي كتبت على باقة الورود التي أهداها إياه الجامعي الدكتور منصور مهني الرئيس المدير لمؤسسة الإذاعة التونسية: إلى شاعر الحياة محمود درويش: نحبك حيّا لنقول لك أنت منّا ولنا (في إحالة على قصيدة "يحبونني ميتا" التي يقول فيها : يحبونني ميتا ليقولوا لي لقد كان منّا وكان لنا(
علي الإبراهيم – إيلاف – 03 ديسمبر 2007
يحبونني ميتا
يحبّونني ميّتًا
ليقولوا: لقد كان منّا، وكان لنا.
سمعت الخطى ذاتها.
منذ عشرين عامًا تدقّ على حائط اللّيل.
تأتي ولا تفتح الباب. لكنّها تدخل الآن.
يخرج منها الثّلاثة: شاعرٌ، قاتلٌ، قارئٌ.
ألا تشربون نبيذًا؟
سألت. سنشرب.
قالوا. متى تطلقون الرّصاص عليّ؟
سألت. أجابوا: تمهّل!
وصفّوا الكؤوس وراحوا يغنّون للشّعب،
قلت: متى تبدأون اغتيالي؟
فقالوا: ابتدأنا... لماذا بعثت إلى الرّوح أحذيةً!
كي تسير على الأرض.
قلت. فقالوا: لماذا كتبت القصيدة بيضاء
والأرض سوداء جدًّا.
أجبت: لأنّ ثلاثين بحرًا تصبّ بقلبي.
فقالوا: لماذا تحبّ النّبيذ الفرنسيّ؟
قلت: لأنّي جديرٌ بأجمل امرأةٍ.
كيف تطلب موتك؟
أزرق مثل نجومٍ تسيل من السّقف
- هل تطلبون المزيد من الخمر؟
قالوا: سنشرب.
قلت: سأسألكم أن تكونوا بطيئين،
أن تقتلوني رويدًا رويدًا لأكتب شعرًا أخيرًا لزوجة قلبي.
ولكنّهم يضحكون ولا يسرقون من البيت
غير الكلام الذي سأقول لزوجة قلبي..
16:36 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Culture | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Mahmoud Darwich, 7 Novembre
15.11.2007
أمواج الصحراء : خواطر حول التغيير في عهد التحول
عندما تطرح قضية التغيير أو ما يطلق عليه عندنا بالتحول فإن الصيغة المتداولة عادة تتناول القضية من زاوية مدى وجود الإرادة السياسية للتغيير من عدمها. لذلك لم يتوقف الإعلام الرسمي عن التأكيد عن جدية وقوة هذه الإرادة بينما لم يتعدى مخالفيه التشكيك في جديتها. هذه الحلقة المفرغة التي سقط فيها الخطاب السياسي عندنا منذ عقدين أصبحت أهم علامة عجزه عن تجاوز جانب النوايا و إقتحام مجالات الفعل الواقعية الملموسة و البحث عن وضعية الأدوات السياسية الكفيلة وحدها بتحقيق التغيير.
و قد أدى هذا النسق في تناول قضية التحول إلى مأزق في تحديد مفهوم التغيير و أصبحت السلطة تدلل على نجاحها في إحداثه بما يحصل من تحولات في مستوى البنى التحتية و الإقتصادية و معدل الدخل و نسبة التمدرس و إنساق منتقدوها عن وعي أو بدونه إلى محاولات قائمة على خطأ منهجي في تفكيرهم يستبطن فكرة أن مؤشر عدم تحقق التغير يجب أن يقترن بفشل إقتصادي وتدهور في مستوى عيش السكان و تردي لمختلف المؤشرات الإقتصادية و الإجتماعية للبلاد. و هكذا حصلت نقلة تدريجية في مضمون التغيير و مجالاته من استحقاق سياسي محدد و صريح سواء بنص بيان السابع من نوفمبر أو بمضامين الميثاق الوطني إلى عملية تقييم لأداء السلطة المنبثقة عن انقلاب السابع من نوفمبر بكل ما ورثته من شمولية و جمع لكل السلط و تسلط على المجتمع مما قاد إلى نتيجة معاكسة لبرنامج التحول عمقت من وطأة الإستبداد و من اختلال ميزان القوى داخل على حساب الأغلبية على النحو الذي وصلنا له اليوم.
كما أن المقصود عادة بالإرادة السياسية أصبح ينصرف حصريا إلى إرادة السلطة رغم أن أي سلطة لا يعتد بها إلا بقدر تعبيرها عن إرادة مجتمعها و إذا كان لها من تغيير تخطط لإحداثه فإنها تبادر به منذ الأيام الأولى لتولي القائمين بها مقاليدها أما بعد عشرين سنة من ممارسة الحكم فلا يمكن أن يبقى لها ما تغيره من حقيقة طبيعتها و يعرف كل موضوعي متزن أنه من السذاجة مواصلة انتظاره منها خاصة إذا كانت قد قامت فعليا على تكريس و تعميق الإستبداد و ممارسة القمع و هي تدعى دعم الحريات و الدفاع عن حقوق الإنسان.
و لعل هذه الوضعية هي السبب في خلق وضع مقلوب حيث تحولت قضية التغيير إلى عنوان لخطاب السلطة في مواجهة خطاب للمعارضة يبدو أكثره تشددا لا يتجاوز المطالبة بإصلاحات تسمح لها بوضع أفضل للمشاركة حسب القواعد القائمة بحيث تبدو ملكية أكثر من الملك و أكثر محافظة من السلطة نفسها. فالسلطة بتمسكها بالدفاع عن زيادة مكتسبات التنمية على حساب المطاب السياسية تبدوا أكثر إهتماما بمصالح المجتمع من مشاغل معارضة منكفئة على أزمة اوضاعها الخاصة. و هذه الإستراتيجية سبق أن اختبرها بنجاح النظام الحالي في بداية استيلائه على السلطة منذ 20 سنة عندما رفع لواء تكريس احترام حقوق الإنسان فنجح في تهميش المعارضة و المجتمع المدني و تحجيم ضغطهما في صياغة الإصلاحات المطلوبة مما مكنه من وضع تعديلات شكلية لم كانت نتيجتها الفعلية سوى تمكينها من مزيد إحكام سيطرتها على الأجهزة القمعية للسلطة و الحفاظ على وسائل التحكم والردع المسلطة على المجتمع بواسطتها. و على نفس المنوال تحولت قضية التغيير من تغيير نظام شمولي مستبد بكل السلط قائم على قواعد الولاء و الزبونية و على تغييب إي ممارسة حقيقية لمراقبة المجتمع لأداء السلط العمومية إلى البحث عن تفاصيل جزئية لا تسعى من ورائها النخب الساعية إليها سوى إلى تحسين وضعيتها الخاصة في إطاره دون تغير حقيقي في طبيعته.
قد يهم المختصين في دراسة بسيكولوجيا الجماعات لماذا لا تزال نخب مجتمعات مثل مجتمعنا تتوهم أنه سيقع تلبية أمانيها في الحرية و الديموقراطية من طرف نفس السلطة القائمة على تكميمها و قمعها واضطهادها. و لكن هذا ليس موضوعنا لأن ما يهمنا وضع المجتمع في مواجهة السلطة و الوصول إلى الوضع الذي يصبح فيه المجتمع قادرا على إفراز السلطة التي تلتزم بتحقيق مصالحه لا أن تبقى هذه السلطة أداة لقمعه و التحكم فيه. و لكن الخطاب الغالب على النخبة التي تدعى النضال من أجل الديموقراطية و الحريات رغم ما يطبع بعضه من حدة ظاهرية قائم أساسا على فكرة التوجه إلى السلطة و إشاعة حالة الإنتظار بما يجعله يلتقي موضوعيا مع دعايتها التي لا تنفك يوما عن التأكيد على حرصها على قيم الديموقراطية و حقوق الإنسان دون أن تتوقف يوما عن ممارسة نقيضها. و لا مجال اليوم للوصول إلى إحداث تحول حقيقي دون فضح هذه الوضعية و إنهاء هذه الحقبة القائمة على السفاهة السياسية و الخروج بالخطاب السياسي إلى القضايا الحقيقية.
ذلك أن ما يحقق التغيير و يبني الديموقراطية هي الأدوات العملية من تنظيمات و مؤسسات و ممارسات و هي ليست منة تهبها الإرادة السلطانية لتسويفهم بانتظارها و لكنها مؤسسات و تنظيمات وقواعد عمل و محاسبة قائمة حسب شروط و ضوابط معروفة سلفا ولا تصلح إلا بتوفرها. و لكن ما نعاينه فعليا على مدى العشرين سنة المنقضية أن الشغل الشاغل لنظام السابع من نوفمبر منذ قيامه لم ينصرف إلا إلى سحق كل التنظيمات و تكبيل كل المؤسسات و التصدي لأدنى الممارسات التي يمكن أن تندرج في إطار العمل أو التعبير الحر و المستقل في مجال الشأن العام أو المس من الصبغة الشمولية المستبدة للنظام. و كما لم يأتي الإستقلال من أنصار الإندماج مع الإستعمار و لا من أنصار الإستفادة من الإنجازات التحديثية و البنية التحتية التي جاءت بها الأقلية المستعمرة نعتقد أن المتملقين للدكتاتورية و المقرين بإنجازاتها و المنتظرين لمبادراتها هم موضوعيا حلفائها و سبب بقائها.
و هكذا بقي الخطاب السياسي في تونس تائها يطارد السراب في حين لا يبقى واضحا للعيان سوى أمواج لصحراء لا تنتهي تجاوزت حدود الإستبداد لحالة من الملكية الفعلية بفعل إطالة عمر الدكتاتورية و ما خلفه من نشر للإحباط. فالخطاب الديموقراطي لم يهتدي إلى الأدوات التحليلية الضرورية القادرة وحدها على توضيح الرؤى بتحديد الإتجاه و ترتيب الأولويات و صياغة رأي عام مستوعب لحقيقة واقع مجتمعه و قادر على الإهتداء للحلول الحقيقية الكفيلة بإنهاء المرحلة الدكتاتورية عن وطنه.
معارضة مزايدة في الموالاة
اعتبر حزب الوحدة الشعبية أن خطاب الرئيس كان في مستوى تطلعات المناضلين من أجل الديموقراطية و التقدم واعتبر مكتبه السياسي أن الخطاب جامعا لجميع الأبعاد السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية. أما الحزب الإجتماعي التحرري فقد قال أن الخطاب يعطي نفسا جديدا للخيار الديموقراطي و اعتبره يشكل بجميع المقاييس حدثا يكتسي أهمية قصوى في الحياة الوطنية و سطر معالم استراتيجية المستقبل و أنه يستجيب لتطلعات كل القوى السياسية الوطنية. و حيّت حركة الديموقراطيين الإشتراكيين الإجراءات الواردة بخطاب الرئيس منقذ الوطن و باني مجده. كما اجتمع حزب الخضر للتقدم لتدارس أبعاد و مغازي الخطاب المنهجي للرئيس وأكد أن خطاب العشرينية سيشكل محطة أخرى مهمة في تاريخ البلاد. كما عبر الامين العام للاتحاد الديمقراطي الوحدوى عن تقديره الكبير للجهود التي يبذلها الرئيس زين العابدين بن علي من اجل تطوير الحياة السياسية في تونس والتي قال أنها ليست بالهينة ملاحظا أن خطاب سيادته اليوم خطاب ايجابي وياتي في مرحلة دقيقة بعد عشرين سنة من التغيير.[1] و من ناحيتها أصدرت حركة التجديد بيانا أكدت فيه على أهمية ما ورد في هذا الخطاب من إعلان عن إجراءات تتعلق خاصة بدور الأحزاب في تطوير الحياة السياسية وتعديل المجلة الانتخابية ووضع حد للرقابة الإدارية المسلطة على الإبداع الفكري والثقافي.[2]
هكذا إذن تجسد التغيير وولى إلى غير رجعة ذلك العهد الذي كانت فيه خلايا شعب الحزب الحاكم و لجانه و هيئاته تتهافت على الإبراق بالولاء و التأييد للمجاهد الأكبر و لصانع التغيير بعده عند كل كلمة يتوجه بها عبر الإذاعة و التلفزة بل أصبحت أحزاب "المعارضة" هي التي تضطلع بهذا الدور. وهي بذلك لا تقدم سوى "صورة مشوهة عن الأصل" الذي يمثله التجمع الدستوري كما وصفها أحد أقطاب مجلس المستشارين.[3]
لئن كان من حق كل حزب أن يحدد مواقفه بالشكل الذي تمليه علي قراءته و تقتضيه مصالحه فإن إي حزب يدعي المعارضة لا يمكن إلا أن يفقد خصوصيته إذا لم يترك مجال للتباين بين مواقف السلطة و مواقفه. و لكننا عندما نتأمل مختلف البيانات الصادرة بهذه المناسبة و التي ليست سوى انسجاما مع المواقف السابقة لمختلف هذه الأحزاب و لأدائها داخل مجلس النواب نجد أنها أصبحت تتقدم عن الحزب الحاكم "التجمع الدستوري الديموقراطي" في مساندة السياسة الحالية لرئيس الجمهورية. و هكذا لم يبقى من معنى لمعارضتها سوى معارضة الحزب الحاكم بالمزايدة في المساندة و إظهار الولاء "لصانع التغيير" كما يسمون رئيس الدولة. لذلك نجد أن السؤال الذي يطرح نفسه و لا يجد جوابا شافيا هو المقصود بالإصرار على تصنيفها أحزاب معارضة؟ و إن كانت معارضة أين معارضتها و فيما تختلف عن الحزب الحاكم نفسه؟ و هل يحق إعتبارها معارضة بالمعنى الذي يخولها الإنتفاع بإجراءات دعم تمثيلية الأحزاب داخل المجالس التشريعية و البلدية إذا كان المقصود من هذه الإجراءات حقا ضمان حد أدنى من التعددية داخلها.
معارضة من صلب منظومة الإستبداد
ربما كان في زمن الحزب الواحد منذ عشرات السنين نستسيغ تصنيف كل من لم يكن منسجما ومنضويا تحت لواء الحزب الدستوري معارضا ولكن هذه الوضعية تغيرت بعد الإنسلاخات المتتالية عن هذا الحزب و التي بدأت بظهور حركة الوحدة الشعبية في المهجر بعد محاكمة أحمد بن صالح و فراره إلى جانب الحزب الشيوعي منذ منعه في بداية الستينات ثم تكونت حركة الديموقراطيين الإشتراكيين خارج الشرعية إثر إنشقاق أحمد المستيري و جماعته عن الحزب الحاكم إلى أن أقر الرئيس السابق الحبيب بورقيبة بالتعددية و اعترف بالجناح المنشق على حركة الوحدة الشعبية و بحركة الديموقراطيين الإشتراكيين و قام برفع الحضر عن نشاط الحزب الشيوعي الذي تحول إلى حركة التجديد. و لكن هذه الأحزاب تحولت منذ عشرين سنة إلى مساندة شبه مطلقة للنظام و انخرطت في دعم الإنقلاب الحاصل على الرئيس السابق بقطع النظر عن خلفيات هذا التحول في مواقفها.
كما أن المشروع الذي جاء بالإتحاد الديموقراطي الوحدوي تم تسخير عضو باللجنة المركزية للحزب الدستوري للقيام به و بمبادرة من السلطة التي دعمت أيضا أحد أقطاب حركة الديموقراطيين الإشتراكيين لتكوين الحزب الإجتماعي التحرري قبل أن تتخلص منه و تأتي بغيره من غير قواعده كما فعلت مع الأمين العام السابق للوحدوي و هي نفس الطريقة التي تم بموجبها تكوين حزب الخضر للتقدم الذي أوكلت مهمة إنشائه إلى الشخصية الثانية في الحزب الإجتماعي التحرري.
قد يكون من المؤسف أن يكون تاريخ ظهور تعدد الأحزاب في بلادنا على هذا المنوال و لكن التاريخ لا يعرف المجاملات و تؤكد كل مراحل وجود هذه الأحزاب منذ ولادتها إلى اليوم الذي نحن فيه حقيقة واحدة وهي أنها ناتجة عن عمليات توالد من نفس الأصل المعتل لم تنفصل تماما عنه بل أنها تحولت في العشريتين الأخيرتين إلى أحزاب تديرها المخابرات مباشرة أو عن بعد و لم يكن الهدف منها سوى الحيلولة دون ظهور أحزاب حقيقية مستقلة من صلب المجتمع تحكم زمام نفسها و تطور ممارستها الديموقراطية الذاتية و تكرس مرجعية منخرطيها في صياغة مواقفها وبناء برامجها و تكون مدرسة للتداول على المسؤولية و لمحاسبة قياداتها و تقدم معيارا لتقييم مدى شفافيتها.
لذلك لم تقم لحد اليوم تعددية حقيقية و لم ينتهي نظام الحزب الواحد و لم تتأسس ظروف التنافس السياسي النزيه و العمل الحزبي الحر داخل الفضاء العام طبق القواعد الديموقراطية. إن الأوهام التعددية التي تروج لها الدعاية الرسمية و ينخرط في تأكيدها بعض الديموقراطيين لا تتعدى الإرهاصات المتعاقبة داخل منظومة الإستبداد لم ترقى لحد اليوم للتأسيس لتعددية حقيقية تبشر بالديموقراطية.
فالحزب المعارض القانوني في واقعنا هو ملك لصاحب الترخيص وإنشائه يتم بمقتضى المأموريه التي منح له الترخيص بهدف إتمامها أو الترتيبات التي وقعت معه على أن ينشط في إطارها. وهو ما يفسر بقائه حارسا وصيا على حزبه مدى حياته. و نكاد نجزم أنه لا يوجد حزب قانوني خرج عن هذه القاعدة لحد اليوم حتى لو كان الترخيص له استجابة لضغوط أجنبية. و هذه الوضعية تجعلنا نجد اليوم صعوبة كبيرة في استجلاء الخريطة السياسية في بلادنا بين أحزاب موالات و أحزاب متخاصمة مع السلطة و بين أحزاب قانونية معترف بها و أحزاب قانونية غير معترف بها و بين أحزاب مرخص لها و أحزاب غير مرخص لها. وهي وضعية خدمت و ستخدم السلطة لأن جوهر الصراع السياسي انحصر حول وضع هذه الأحزاب في علاقتها بالسلطة لأن مفهوم الشرعية نفسه لدى النخب السياسية تحول إلى الإعتراف به من طرف السلطة و لم يرتقي يوما إلى الشرعية الميدانية القائمة على التنافس حول وزنها و تمثيليتها داخل المجتمع. كما أنها وضعية لا يمكن أن تؤسس لتعددية فعلية و لا إلى ديموقراطية حقيقية و لا أن تقود إلى تداول على السلطة و بناء مؤسسات حقيقية و تكريس علوية القانون و المساواة في الحقوق و الواجبات. و حكمت على هذه الأحزاب بالترعرع في شكل تنظيمات هامشية لا صدى و لا سند لها.
إن المقصود هنا ليس الطعن في شرعية المعارضة أو التنقيص من نضال المنتسبين إليها و لكن البحث عن نضرة عقلانية لفهمها ككيان و وزن قابليتها للوفاء بالدور الذي تتقدم بصفتها تلك للمجتمع على أنها قادرة على الإضطلاع به و تجاوز محنة المراهقة المزمنة التي تمر بها.
معارضة نخبوية تكرس الوصاية السياسية
إذا كانت المقصود بالديموقراطية وجود سلطة و معارضة فنحن نملك فعلا نملك سلطة و معارضة. و كما أن السلطة ليست سلطة إلا بالقهر و الإغتصاب فإن المعارضة ليست معارضة إلا بالشعارات و الخطاب. ذلك أن المقصود بالمعارضة ليس إرضاء أصحاب النحل و الأهواء من المثقفين و أصحاب السند المدعومين من المنبتين للشرق و الغرب الذين تتقاذفهم المصالح و المراهنات ولا يعكس تاريخهم ومواقفهم عدى أغرب التقلبات و التناقضات. فالمعارضة قبل كل شيء تعبير عن حقيقة تعددية داخل المجتمع يشترك أفرادها في مصالح و قيم و أهداف يجتمعون على الدفاع عنها لا لغصب حقوق غيرهم و لكن حتى لا تغبن حقوقهم بقدر وزنهم في المجتمع و حتي يكون ذلك كذلك لا يمكن أن تتأسس تعددية إلا من خلال ممارسة ديموقراطية في إطار من الشفافية بحيث تكون كل مجموعة بممارستها مصداقا لما ترفعه في خطابها و مدرسة للديموقراطية الحقيقية لقاعدتها الإجتماعية. و نعرف جميعا أننا اليوم لم نرتقي بعد إلى سياق هذه الوضعية و أن الأحزاب السياسية لا تنبثق عن قواعد اجتماعية و لا من مكونات منسجمة وواضحة. كما أن تجميد الحياة السياسية خلال العشريتين الماضيتين مع ما رافقهما من تغير جذري في بنية المجتمع و اختلال لميزان القوى بين مختلف مكوناته لم يكن القصد منه سوى حرمان الأغلبية من الطبقات الشعبية و الأجيال الصاعدة من الأدوات السياسية اللازمة لها للدفاع عن مكاسبها و حماية مصالحها.
لذلك لم يخرج الخطاب الأخير عن منهج تكريس الوصاية السياسية للسلطة على المجتمع و تشبث بوسائل التحكم في توجيه سير الأحزاب السياسية سواء كانت حزبا حاكما أو أحزاب معارضة. بل أن كل الإجراءات السياسية المعلن عنها جاءت دعما لهذا المنهج و تفعيلا لهذه الوسائل و ذلك ليس بقصد دعم الممارسة الديموقراطية و إنما للتصدي لعودة ظهورها و ذلك بتمكين أعوانها من وسائل أكبر للعمل بما يدعم مركزهم في وجه كل رموز حقيقية قد تعترضهم داخل تنظيماتهم. و لعله من المفيد التنبيه هنا إلى أن الديموقراطية لا تتحقق بقرارات رئاسية و لا بمراسي و قوانين و إنما بالممارسة الفعلية التي تعكسها تصرفات المجموعات المنظمة في إدارة شؤونها من خلال شفافية و نزاهة القواعد التي تحتكم لها في مختلف أوجه عملها. و لا يختلف الوضع بينها سواء كانت جمعيات أو نقابات أو أحزاب. لذلك فإن حالة الإستبداد قائمة أساسا بسبب غياب تكريس مثل هذه الممارسة المناقضة لوجود لوجود الإستبداد من أصله.
لا نستغرب مواقف أحزاب "المعارضة" التي أسسها نظام السابع من نوفمبر أو طوعها لمسانده احتكاره للسلطة و تدعيم استبداده إذ لا غرابة أن نجد كل أمنائها العامين من الموسمين بأرفع الأوسمة التي لا تمنح إلا لرجال هذا النظام[4] و لكننا نستغرب مواقع الأحزاب الأخرى سواء من خلال صمتها أو نبرة ترددها و هي لا تخفي توهمها أن مضاعفة المنحة المسندة لها قد يساعد على تدعيم وسائل عملها و أن توسيع حصتها في البرلمان سيزيد من حضورها و هي مواقف جعلت الكثيرين لا يرون في تجديد حركة التجديد لا يختلف في شيء عن تغيير عهد التغيير.
إننا لا نشك لحظة في أن أقصى انتصار يمكن أن نحققه على الدكتاتورية عن طريق معارضة على هذا المنوال لن يتعدى الفوز بتجديد عقد إيجار لمقر حزب الأستاذ الشابي أو بطاقة عبور للأستاذ النوري لا بفعل ضغط المساندة الشعبية و لكن بتدخل الوساطات الخارجية في حين يبقى رموزها يصفعون و يجرون في الشوارع كاللصوص و المنحرفين حتى ينتهي بهم الأمر إلى الإنفصام أو الهجرة و مخاطبتنا عبر الفضائيات.
همجية و مجانية صورة العصا لا تختلف عن بؤس و تخلف طبيعة الجزرة التي يلوح بها الإستبداد للطامعين من عطايا و مواقع[5] ليحولهم أعيانا و وجهاء في مجالسه و خططه. لذلك تبدو لنا تلك القراءات المنافقة لخطاب العشرينية لا تعبر عن عجز عن استيعاب حقيقة المرحلة و قراءة معالم الإستراتيجية و إنما مؤشرات ترنح تسبق السقوط تكاد حروفها تذوب من سيلان لعابها وسيبقى أصحابها مهما ارتووا تائهين في صحراء لا تنتهي أمواجها.
[1] - تراجع هذه المواقف على الروابط التالية :
1. الأحزاب السياسية تثمن مضامين خطاب رئيس الجمهورية
2. حركة الديمقراطيين الاشتراكيين تثمن الإجراءات التي تضمنها خطاب الرئيس زين العابدين بن علي
3. حزب الوحدة الشعبية : خطاب رئيس الدولة جاء في مستوى تطلعات المناضلين من أجل الديمقراطية والتقدم
4. حزب الخضر للتقدم: مضامين خطاب العشرينية تجسد تفاعل رئيس الدولة الايجابي والصادق مع المشاغل الحقيقية للبلاد
5. الحزب الاجتماعي التحرري: خطاب العشرينية ابرز مجددا الحرص الرئاسي على التقدم بالخيار الديمقراطي نحو أفق جديد
[2] - يراجع بيان حركة التجديد : http://tajdid.pdpinfo.org/articlear.php3?id_article=6385<...
[3] - سمير عبد الله: بعد الإجراءات الرئاسية المعلنةالكرة الآن في ملعب المعارضة! (الصباح 10 نوفمبر 2007)
[4] - الصنف الاكبرمن وسام 7 نوفمبر
ـ محمد بوشيحة الامين العام لحزب الوحدة الشعبية
ـ اسماعيل بولحية الامين العام لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين
الصنف الاول
ـ احمد الاينوبلي الامين العام للاتحاد الديمقراطي الوحدوي
الصنف الثاني
ـ المنجي الخماسي الامين العام لحزب الخضر للتقدم
ـ منذر ثابت الامين العام للحزب الاجتماعي التحرري
[5] -ورد بخطاب 7 نوفمبر2007 الإعلان عن قرار الرئيس بن على مضاعفة المنحة الممنوحة لأحزاب المعارضة و جرائدها و توسيع حصتها في المجالس التشريعية و البلدية إلى 25 في المائة مهما كان عدد الأصوات المتحصل عليه من طرف مرشحيها.
15:53 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, 7 novembre, Dictature, Opposition
09.11.2007
عشرون عاما من الجمهورية الثانية في تونس
عادل اللطيفي - الجزيرة.نت
عشرون سنة مرت على التغيير الذي مس هرم السلطة في تونس فجر السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني 1987. تجربة يكون من السذاجة اليوم طرح سؤال حول تقييمها لأن ذلك بات من البداهة بمكان في ظل العيوب التي ما انفكت السلطة تكشف عنها من حين إلى آخر، خاصة عند اصطدامها بعمليات نضالية ولو محدودة.
لكننا سنطرح السؤال رغم ذلك بهدف فهم نقطتين أساسيتين على الأقل، تتعلق الأولى بفهم طبيعة التحول وبمكان المجتمع فيه، في حين تتعلق الثانية باستشراف مستقبل الوضع الحالي.
وكمؤشر أولي للتقييم نذكِّر بأن انطلاق ما سمي بالتغيير في تونس كان قد تزامن تقريبا مع خروج إسبانيا والبرتغال وكذلك الأرجنتين من تجارب الدكتاتورية العسكرية المريرة، فأين تونس والتونسيون اليوم من تجربة هذه الشعوب؟
تم التغيير عام 1987 في ظل وضع داخلي مترد وصلت فيه سلطة الرئيس السابق لحبيب بورقيبة مرحلة التهرؤ والانحلال، وأصبحت فيه رموز الحكم انعكاسا كاريكاتيريا لذاتها. كان لا بد لهذه السلطة من إنقاذ نفسها قبل أن يتغلغل صدى ضعفها في أوساط المجتمع.
تم التغيير إذن من داخل دائرة النظام القائم آنذاك، وكان رهانه الأساسي هو استعادة يد السلطة على المجتمع إثر توالي مؤشرات التململ، خاصة بعد ما عرف بثورة الخبز مطلع العام 1984 وتنامي دور الإسلاميين وتصاعد العمل النقابي.
كان وضعا شاذا في دولة عرفت تقاليدها التاريخية في العصر الحديث والمعاصر هيمنة مطلقة لمؤسسة الدولة على المجتمع. ولتحقيق هذا الهدف اعتمدت السلطة الجديدة إستراتيجية انفتاحية تجاه المجتمع صاحبتها دعاية مكثفة لشخص الرئيس الجديد زين العابدين بن علي، من خلال شعارات واعدة مثل: لا مجال لرئاسة مدى الحياة، ودولة القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان.
كان لا بد كذلك من تجاوز البعد الرمزي لحقبة بورقيبة عن طريق تجاوز الشرعية النضالية المبنية على دور المجاهد الأكبر (الرئيس بورقيبة) رمز الاستقلال، وتوجيه العامة نحو مستقبل براق لكسب رهان التقدم والحداثة.
| "ما حصل عام 1987 هو إعادة هيكلة رمزية داخلية للسلطة تمحورت حول المحتوى الرمزي للسلطة السابقة وتعويضها بمحتوى رمزي جديد وبقاعدة اجتماعية أكثر حيوية وديناميكية. لقد حل لقب رجل التغيير والتحول محل لقب المجاهد الأكبر " |
غير أن مثل هذه القطيعة المعلنة في الخطاب الرسمي الجديد لم تكن لتتجسد كواقع مجتمعي وسياسي ملموس، وذلك لأن عملية التحديث (المبتور) كانت قد بدأت بالفعل في السنوات الأولى من الاستقلال وارتبطت نهائيا بشخص الرئيس التونسي الأول.
تم هذا التغيير الفوقي كذلك في ظرف عالمي تميز بركود اقتصادي وبروز الوصفة السحرية للبنك العالمي وصندوق النقد الدولي والتي تتلخص في انسحاب القطاع العام من مجال المبادرة والتسيير الاقتصاديين وفتح المجال أمام القطاع الخاص دون أي حدود.
في هذا السياق نفهم انخراط السلطة الجديدة في سياسة اقتصاد منفتح دون حدود اعتمادا على دعاية تمجد العمل والبذل والعطاء في سبيل الوطن وتكاد تجرم العمل المطلبي النقابي.
كما انتشرت بالتزامن مع ذلك ثقافة الاستهلاك السريع بالتوازي مع تنامي ظاهرة الربح السريع وبروز فئة جديدة من الأثرياء سيمثلون قاعدة اجتماعية فاعلة للسلطة الجديدة. ستلعب هذه الفئة دورا مهما في تأطير ومراقبة المجتمع، خاصة في المدن حيث انخرطت بكثافة في صفوف الحزب الحاكم.
كان ما حصل عام 1987 إعادة هيكلة رمزية داخلية للسلطة تمحورت حول المحتوى الرمزي للسلطة السابقة وتعويضها بمحتوى رمزي جديد وبقاعدة اجتماعية أكثر حيوية وديناميكية. لقد حل لقب رجل التغيير والتحول (الرئيس بن علي) محل المجاهد الأكبر (الرئيس بورقيبة) معلنا بذلك نهاية شرعية الاستقلال.
00:55 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Republique, Ben Ali, 7 Novembre
26.10.2007
مذكرات لزمن الرعية: الظل و الصورة
يسعى نظام السابع من نوفمبر أن يجعل من الذكرى العشرين لتوليه الحكم في تونس على منوال تلك الصورة التي يقدمها عن نفسه للعالم و تلهج بها أجهزة دعايته صباحا مساءا لتذكير رعيته. و هي صورة لو صدقناه في رسمها لما بقي لنا غير التعبير بأسمى عبارات الإكبار و العرفان عن خالص شعور التأييد و الولاء و التكبير طالبين من الله عز وجل أن يديم علينا هذا العهد السعيد. بل أننا لو اتفقنا معه على صدق مضمونها لتجاوزنا ذلك للتنديد بكل ألائك المشككين المناوئين المعارضين "لتجديد الولاية لصانع التغيير و حامي الحمى و الدين" و هي الصيغة التي يستعملونها بشأن الترشح للإنتخابات الرئاسية.
هكذا يريدوننا أن نكون هم يقولون و نحن نبايع ليحكموا أو على الأقل هكذا يفكرون.
و يستحضرني في هذا المجال أبيات لشاعرنا الخالد أبو القاسم الشابي عندما يقول:
مـا كل فعل يجل الناس فاعله مجدا، فـإن الورى في رأيهم خطل
ففي التماجد تمويه، وشعـوذة، وفي الحـقيقة ما لا يدرك الدجل
ما المجد إلا ابتسامات يفيض بها فم الزمان إذا ما انسدت الحيل
و ليس بالمجد ما تشقى الحياة به فيحسد اليوم أمس ضمه الأزل
و لئن كان من حق إي نظام تقديم إنجازاته و تقييمها بالشكل الذي يرضيه فإن هذا الخطاب يخرج من دائرة العرض عندما يغلق أبواب المناقشة و المحاججة و النقد و المقارنة و التمحيص. بل أنه يتحول إلى استعراض من جانب واحد لا يلبث أن يفتتن بصورته و ينطلي عليه ما أصبح يعتقد أنه حقيقته بما ضخمه بمبالغاته و أخفاه بتكتمه حتى لا يبقى لأي ذي عقل ما يقوله له و بقدر ما ينتشر الصمت من حوله يعتقد أن الناس تصدقه و الحال إنه لم يعد يغالط سوى نفسه.
لذلك نريد فقط أن نقول و بكل تواضع و بساطة أن الصورة التي تتيحها شرفات قصر الرئاسة بقرطاج و شبابيك مكاتب برج التجمع الدستوري الديموقراطي بشارع محمد الخامس و مكاتب قصر الحكومة بالقصبة وقصر الباي في باردو ليست الصورة التي تفتح عليها منازلنا أو مواطن عملنا أو أماكن تمضية أوقات فراغنا بسبب بطالتنا. لأننا نرى من كل مواقع تواجدنا صورة مختلفة تماما، لا يمكن أن تخطئها العين المجردة.. وهي صورة صورة رمادية سوداء قاتمة لوضع ممجوج لمجتمع حكم بالعطالة و الشلل على مختلف طاقاته. و حتى يبلغ ما نعنيه بأكثر دقة يمكن أن نشبه الصورة التي أبقيتموها لنا من بلدنا بالمسودة الكربونية للصورة الحقيقية الزاهية لتونسنا و التي جعلتموها حكرا عليكم و ارتأيتم الإستحواذ عليها لخاصة أنفسكم.
لذلك لابد انكم لا تدركون ما نفهم مما تقولون لأنكم لم تعوا أننا لا نبصر ما تبصرون. و لا شك في أن ما تعودتم رؤيته على مدى عشرات السنوات من شرفات قصوركم و قلاعكم و ناطحات سحابكم حري بأن يجعلكم تتطبعون بطباع الأمراء و السلاطين الذين لا شأن لهم بحال الرعية إلا من خلال تقارير الجواسيس و المخبرين عن مدى استكانتها و خضوعها و ما تتطلبه اليقظة لكل ما من شأنه أن يجعل العصيان يدب في صفوفها. و لكنكم تريدون مع ذلك البيعة بالإنتخاب و تريدون أن يقال أنكم رؤساء و نواب و تريدون أن تجعلوا منا جمهورية. ألا يفترض نظامكم أن يكون لكم حراسكم و خدمكم و حشمكم و حاشيتكم وفيالق المتطفلين على أبوابكم و المتوسلين على أعتابكم و كل الذل و النفاق الذي يحيط بكم أينما حللتم حتى يسير كل شيء طبق توصياتكم و تعليماتكم بنا يسمح لكم بأن ترو البلاد كما رأيتم على نحو ما يذكرنا به خطابكم؟ نحن ندرك أننا لم نعد أصحاب صورة و لو رمادية مقهورة و لكننا تحولنا إلى جزء من المشهد الذي صنعه عهدكم. و عندما ندرك أننا لا يمكن أن نبلغ عليّ مقامكم و لا أن يصبح لنا ذكر مع سمو جنابكم لا شك أنكم تفهمون أننا بحاجة لإزالة الحاجز الذي تشكلون حتى نستوي جميعا في وطننا و نعيد الحياة الكريمة الهانئة التي لابد لنا أن ننعم بها ككل أفراد مجتمعنا لأن المشكلة لم تعد حول محتوى سياستكم و إنما تتعلق بجوهر و حقيقة نظامكم.
و تدركون انه عندما يصل الحال على هذا المنوال إنما نكون قد وصلنا إلى وضع تنتهي فيه الحاجة إلى عبقرية المثقفين و استراتيجيات السياسيين فهم آخر المخدوعين بتعقيدات نظرياتهم و المدركين لحقيقة أوضاع بلادهم لأننا ننتهي جميعا كما أردتم لنا أن نكون لا فرق بيننا و بين الجمهور.
لذلك لن أحدثكم هذه المرة على القضاء المقهور و العدل المهدور فقد برهنتم أن هذا ليس خطأ في سياستكم و إنما سمة أساسية من سمات عهدكم. كما لن نسألكم أن تدعونا نشارككم الحديث في ما يهم مستقبلنا و مستقبل وطننا و أن لا تجعلونا نخاف منكم عندما ننتقدكم لأننا لم نعد نرى أثرا لوجودكم في أي مستقبل يحقق كرامتنا و ينقذ من الإنهيار بلادنا و يعيد الأمل و البسمة لأبناء وطننا.
لقد حان الأوان لنترك معزوفة حقوق الإنسان فما جدوى أن نحصل منكم على حقوق بعد أن تكونوا قد سلبتم منا الإنسان الكامن فينا عدى مزيد تمجيدكم و الإنحناء لكم بالشكر على مكرمتكم لأننا في مثل تلك الحال ندرك أننا لم نعد نصلح لها أو نجد ما نفعله بها.
كيف لنا أن نواصل مطالبتكم بتمكيننا من حرية النشاط لأحزابنا و نقاباتنا و جمعياتنا حتى ننتهي قهرا و كمدا على تحويلها معاقل لمحاصرتنا و مراصد لمراقبتنا و ماذا بقي لنا نفعله بها بعد أن شطبتم حياتنا و لم يبقى مجال لغير نشاطكم و سداد رأيكم و حكمة توجيهاتكم وبعد نظركم و عظمة إنجازاتكم و جمهورية غدكم.
و أية دولة قانون و مؤسسات يمكن أن ترتجى منكم وقد حولتم البلاد منذ أول يومكم إلى ثكنة عسكرية تحكم طبق قواعد الإنظباط و تنفيذ التعليمات. ليتكم تعودون إلى بزتكم و نياشينكم فهي خير ما يليق بكم حتى يمكننا على الأقل توسل إنهاء خدمتنا الوجوبية بعد عشرين سنة من الطوارئ الأبدية أو مطالبتكم بإعلان حربكم حتى ندرك من هو العدو و ما هي القضية.
سادتي قادة العهد الجديد هل لي أن أدلكم على ما يفيدكم و يدخل في جوهر مشاغلكم. فلا زال في البلاد مجال كبير من السباخ و الأراضي السائبة مما لا يمكن أن ينازعكم فيها أحد لو رغبتم بيعها لبعض الأثرياء الأجانب المغفلين و جنيتم منها ما طاب لكم لأن غنمها سيكون لوطننا العزيز بما ستجلبه من استثمارات و تحققه من إنجازات عدى ما سينوبنا نحن بتشغيلنا خدما و مساحين لدى المعمرين القادمين من الخليجيين و الغربيين.
كما أنه لا شك لا يخفى عليكم أن تونس بفضل بركة أوليائها لا ينقبض خيرها و لا يزال فيها من المؤسسات الرابحة و المشاريع المجزية ما يغني كل عائلاتكم حتى لا تتنازعوا على الصفقات فينفض شملكم و تذهب ريحكم. و إن كنت لا أنصحكم بشركة التطهير و البالوعات و المواسير بعد أن انكشف حالها فإن شركة المياه غنيمة حقيقية و يمكن تصنيف المياه التي توزعها كمياه معدنية و بيعها بسعر القوارير بشارع بورقيبة و مقاهي المنار بحيث نحقق اقتصادا في المياه و لا تذهب أي قطرة للمواسير لتنافس فيها مياه الأمطار وقت الفيضانات و الأمطار. كذلك عليكم بشركة الكهرباء فهي مما لا غنى لأحد عن بضاعتها مهما غلا سعرها. و كما تعلمون مازال غيرها كثير...
كما أنه لا يفوتني لفت نظركم لضرورة أخذ إحتياطات حازمة لتنظيم الفوضى التي أصبحت تعم الأسواق بفعل كثرة التجار و انتشار الإزدهار. ذلك أنه خلافا لما ادعاه ابن خلدون من أن تجارة السلطان مهلكة للرعية فقد أكدت هذه الظاهرة أن تجارة السلطان يمكن أن تصبح نعمة حقيقية على الرعية بفضل أثمانها الزهيدة عدى كونها تقضي على البطالة نهائيا و تحول كل العاطلين إلى تجار ثياب مستعملة و منتصبين فوضويين و باعة متجولين بحيث نحقق التشغيل الكامل و ننافس أكثر الدول نموا في جداول إحصائيات التنمية البشرية.
هكذا تتحول السلطة إلى مدخل للمغانم و المحاصصة في نهب المال العام و تملك المؤسسات الوطنية بعقلية ربحية فردية و هو مجال مهما حاولنا تخبل ما يدور حقيقة داخله لا تلبث أن تأتي الحقيقة لتكذبنا و تعلمنا أن الواقع فات تخيلنا.
و كما تنحسر المنافسة في تسخير اقتصاد البلاد لخدمة مصالح بعض العائلات تنحسر السلطة الحقيقية بين بعض الأيدي الخفية و تغيب أهداف السياسة الحقيقية في ثنايا الأراجيف و المغالطات المسخرة لها ترسانة دعائية أهم سماتها أنها تحيل على نموذج لا عقلاني متخلف للسلطة يكرس الإنحراف و التواطؤ على التورط في استغلال النفوذ لا مخرج منه سوى تكريس الجهل و الفوضى و الديماغوجية و دحر المجتمع إلى الإستكانة و الذل و التسليم بالعدم و القدرية. حتى نصل للنموذج الذي يجعل القائمين على السلطة على منوال ما عرفته بلادنا في عصر البايات و الإستعمار من مماليك و مستعمرين أجانب عنه و لم يبقى أثر لعلاقة تربطهم به و لو أنهم من أبناء وطنه. و أي علاقة بالمجتمع يمكن أن تبقي لوزير لم يتزحزح عن الوزارة منذ عشرات السنين و يمكنه أن يشغل أي حقيبة لا فرق بين الرياضة أو التجهيز أو الخارجية أو الداخلية، مجرد مناصب تتداول فيما بينهم دون أن تكون لهم سلطة حقيقية عدى رهائن يكرسون بإمضاءاتهم كل التجاوزات و الإنتهاكات بعد أن أدركوا أنهم تورطوا و لا ملاذ لهم غير السلطة التي يستأجرون لها حماية لأنفسهم.
عندما يحل 7 نوفمبر بعد أيام تأكدوا أن الصورة التي ترونها تخدعكم حتى لا يسيل أكثر مما سال لعابكم. فتونس الخضراء جميلة فعلا و لكنها غاضبة حقا حتى لا يخدعكم سكونها طمعا في مزيد اغتصابها. و لعل ما لا تدركونه أننا صرنا على الأقل ندرك من أنتم و لم نعد ننخدع بكل ما تسرفون فيه بما تتنكرون لإخفاء حقيقتكم. لقد ضاقت دائرة السلطة الحقيقية من حولكم حتى لم يبقى فيها مجال لغير الولاء القائم على المحسوبية و القرابة العائلية فجمهورية آل من أنتم ؟
لعلكم لن تكونوا عدى "عابرين في كلام عابر" ككل المستبدين قبلكم... لأنكم لستم سوى الظل الذي يخيم على صورة تحتضر حتى صارت كل البلاد متأهبة لانقشاعه تنتظر.
المختار اليحياوي – تونس في 20 أكتوبر 2007
* الصورة لشارع الحبيب بورقيبة بعد أمطار يوم السبت 13 أكتوبر نشرتها جريدة "لوموند" الفرنسية
23:30 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Ben Ali, 7 Novembre



