07.07.2008

تونس: حقيقة الصورة و بؤس السيناريو

4e8346e11d400231ee40734499d1c798.jpg

يبدو أنه وقع التخلي في النهاية عن الزيارة التي كانت مبرمجة للجنوب الغربي من طرف الرئيس بن علي لهذه المنطقة التي تشهد منذ فترة توترا إجتماعيا تجلى بشكل مشهود في المظاهرات الإحتجاجية التي شهدتها مدن منطقة الحوض المنجمي بقفصة و معتمدية فريانة من ولاية القصرين. و كان من المفروض أن يشكل تحول رئيس الدولة على عين المكان علامة واضحة على إهتمام الدولة بأوضاع المنطقة و تأكيد للثقة في سعيها إلى حل مشاكلها و هو السلوك السليم الذي يفترض أن يسلكه الرمز الأول للسلطة في مثل هذه الحالات. كما كان من المفروض أن يقع الترفع عن الإعتبارات السياسية الضيقة في مواجهة المشاكل الحقيقية ترسيخا لعلوية الدولة و رفعا لشأنها فوق كل الإعتبارات خاصة عندما تكون أسباب التوتر ناتجة عن الشعور بالظلم بسبب عدم التوازن في معاملة الدولة لمختلف الجهات.

و لكن كل المؤشرات الصادرة منذ نهاية الأسبوع الأول لشهر جوان الماضي تشير إلى أن نظام الرئيس بن علي إختار مرة أخرى سياسة العصا و الجزرة في التعامل مع هذه القضية. فبعد إرسال الجيش لمساندة قوات الأمن في تضييق الحصار و تشديد المطاردة على أهالي الرديف و مدن الحوض المنجمي أطلق مسلسل المحاكمات لتطهير المنطقة من كل "المناوئين" لسياسة نظامه و الإعداد في نفس الوقت لمحاكمة سياسية كبرى جديدة ضد رموز الحركة الإجتماعية.

وعملا بمكيافيلية سياسة "فرق تسد" و بينما تشهر العصا في وجه أبناء ولاية قفصة يقع التلويح بالجزرة لأبناء ولاية القصرين باستدعاء أعوان النظام غير المغضوب عنهم في مختلف مناطق الولاية للإجتماع بالرئيس في قصره بقرطاج في هيئة "مجلس جهوي للولاية" للإستماع لحصيلة الإجراءات الرئاسية المقررة لفائدة الولاية و التي أطلقت عليها الصحافة عنوان "الإجراءات الرئاسية الشاملة لدفع برنامج التنمية و تحسين جودة الحياة في كامل مناطق الجهة" و التي تذكرنا في عدة فصول منها ببسكويت "ماري أنطوانات" مثلما تعلق بتهيئة المنتزهات العمومية و توسيع الملاعب الرياضية و تعبيد المسالك المؤدية للأولياء الصالحين. و ملخص القول أن أعيان القصرين خرجوا طراطير من لقاءهم بحضرة الرئيس ليعودوا إلى ولايتهم و ينضموا مسيرة "عرفان و إكبار" تناشد الرئيس بن على الترشح لانتخابات 2009.

لا أضن هذا التقديم لحقيقة ما يحصل في بلادنا سوف ينظر له المسئولون خارج ما يصنفونه بالكتابات المغرضة في خانة الحاقدين على النظام و "إنجازاته الرائدة" و لكن الموضوع الذي أردت لفت الانتباه إليه في الحقيقة يتعلق بارتداد الممارسة السياسية للسلطة في مختلف مظاهرها و انحباسها داخل توظيف مختلف مقومات الدولة لمحاولة الإيهام بوجود شرعية شعبية لهذا النظام من خلال توظيف كل ممارسة سلطة أو معالجة سياسية لأية قضية إلى بحث محموم عن الزبونية السياسية و لتمرير تواصل إحتكار السلطة من طرف الماسكين بها حاليا لفترة إضافية من خلال موعد إنتخابات 2009 دون تقديم أي تنازل حول مختلف الإستحقاقات الحقوقية و السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية التي باتت تحاصره من كل الجهات.

لذلك لم يبقى الدعاية الرسمية سوى البحث عن إخفاء كل المطالب الحقيقية بالسهر على تقديم الشعب التونسي في صورة الشعب الواله برئيسه و المتمسك بحكمه و المتوسل له بمواصلة رئاسته. فلا يكاد يحصل حدث أو تمر مناسبة سياسية أو ثقافية أو إجتماعية أو حتى رياضية دون أن تنتهي بمناشدة الرئيس بن على للترشح لانتخابات 2009. و يتواصل هذا المشهد السخيف بشكل أكثر إمعانا في الإسفاف عما حصل في الدورة السابقة سنة 2004 عندما كان النظام بحاجة لإيجاد مسوغ لتجاوز الحاجز الدستوري الذي يمنع الرئيس بن علي من الترشح بعد أستيفاء عدد الدورات التي يسمح له بها الدستور و التي حددها بنفسه سنة 1987 عندما رفع شعار "لا رئاسة مدى الحياة". و بينما تحاول هذه المناورة إبراز الرئيس بن على في مظهر المتعالي المنشغل تماما عن الحملة الطاحنة التي تسوق له بمسؤولياته الرفيعة حتى الموعد المحدد لإعلانه التنازل استجابة لتوسلات شعبه يتم الإعداد للنهاية الطبيعية المنسجمة مع السيناريو القائمة عليه الحملة الرئاسية و التي تقتضي الإعلان ليلة ختم الإقتراع عن فوزه بنسبة تقارب الإجماع و التي لا تبقي أي مجال لمعارضته أو للتصدي لاستبداده و استبداد بطانته.

هذا السيناريو البائس لم يعد يصلح إلا كشاهد عن تخلف هذا النظام و مدى الضرر الذي هو بصدد إلحاقه بهيبة الدولة في سياقه. و قد غدى مهزلة مكشوفة الأدوار و الأطوار لم تعد تنطلي حتى على أشد الأغبياء حمقا و المتخلفين ذهنيا إختلالا في المدارك العقلية في تونس اليوم. و لكنه مع ذلك يبقى الشاغل الأهم لنظام إنفصمت علاقته عن المشاغل الحقيقية لمجتمعه و القضايا المصيرية لبلده. لذلك نجده يجند دولة كاملة بكل طاقاتها على مدى سنوات قبل أوانه لتنفيذه و يجعل منه الشاغل الأول لإدارتها و حكومتها و قضائها و أمنها و جيشها و نوابها و أحزابها و صحافتها و إعلامها كل يدلي بدلوه و يقوم راضيا أو مكرها بدوره في نحت الصنم الشاهد على غياب حريته و انفراط سيادته في وطنه.

كثيرون سينعقون و يزعقون عند قراءة هذا الخطاب و سيرددون على مسامعكم شرعية المكاسب القائمة على ما وقع تحقيقه من إنجازات. و لو كانت إنجازاتهم حقيقية ما لذي يخيفهم و يمنعهم من التقدم بها أمام الشعب التونسي في انتخابات حقيقية. و لكن و قبل كل هذا ما لذي يمكن أن ينتظره مجتمع من نظام يحكم عليه بالقصور السياسي و الوصاية الأبدية.

d92a7d4dda1b0eeaf6976ecdadaa814c.jpg

الحالة الحقيقية للوضع في بلادنا تجسمها هذه الصورة التي نشرتها و كالة تونس إفريقيا للأنباء عن مسيرة "الولاء و التأييد" في القصرين حيث يفرش العلم في الأسفل و ترفع صورة بن علي في الأعلى و هو وضع لا يمكن أن يرتضيه حتى التجمعيون لذلك نعتذر عن قلب الصورة في هذا المقال حتى نعيد علمنا إلى وضعه الصحيح.

المختار اليحياوي – تونس في 7 جويلية 2009

21:40 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Ben Ali

09.11.2007

عشرون عاما من الجمهورية الثانية في تونس

عادل اللطيفي - الجزيرة.نت

عشرون سنة مرت على التغيير الذي مس هرم السلطة في تونس فجر السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني 1987. تجربة يكون من السذاجة اليوم طرح سؤال حول تقييمها لأن ذلك بات من البداهة بمكان في ظل العيوب التي ما انفكت السلطة تكشف عنها من حين إلى آخر، خاصة عند اصطدامها بعمليات نضالية ولو محدودة.

لكننا سنطرح السؤال رغم ذلك بهدف فهم نقطتين أساسيتين على الأقل، تتعلق الأولى بفهم طبيعة التحول وبمكان المجتمع فيه، في حين تتعلق الثانية باستشراف مستقبل الوضع الحالي.

وكمؤشر أولي للتقييم نذكِّر بأن انطلاق ما سمي بالتغيير في تونس كان قد تزامن تقريبا مع خروج إسبانيا والبرتغال وكذلك الأرجنتين من تجارب الدكتاتورية العسكرية المريرة، فأين تونس والتونسيون اليوم من تجربة هذه الشعوب؟

في طبيعة التغيير

تم التغيير عام 1987 في ظل وضع داخلي مترد وصلت فيه سلطة الرئيس السابق لحبيب بورقيبة مرحلة التهرؤ والانحلال، وأصبحت فيه رموز الحكم انعكاسا كاريكاتيريا لذاتها. كان لا بد لهذه السلطة من إنقاذ نفسها قبل أن يتغلغل صدى ضعفها في أوساط المجتمع.

تم التغيير إذن من داخل دائرة النظام القائم آنذاك، وكان رهانه الأساسي هو استعادة يد السلطة على المجتمع إثر توالي مؤشرات التململ، خاصة بعد ما عرف بثورة الخبز مطلع العام 1984 وتنامي دور الإسلاميين وتصاعد العمل النقابي.

كان وضعا شاذا في دولة عرفت تقاليدها التاريخية في العصر الحديث والمعاصر هيمنة مطلقة لمؤسسة الدولة على المجتمع. ولتحقيق هذا الهدف اعتمدت السلطة الجديدة إستراتيجية انفتاحية تجاه المجتمع صاحبتها دعاية مكثفة لشخص الرئيس الجديد زين العابدين بن علي، من خلال شعارات واعدة مثل: لا مجال لرئاسة مدى الحياة، ودولة القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان.

كان لا بد كذلك من تجاوز البعد الرمزي لحقبة بورقيبة عن طريق تجاوز الشرعية النضالية المبنية على دور المجاهد الأكبر (الرئيس بورقيبة) رمز الاستقلال، وتوجيه العامة نحو مستقبل براق لكسب رهان التقدم والحداثة.

"ما حصل عام 1987 هو إعادة هيكلة رمزية داخلية للسلطة تمحورت حول المحتوى الرمزي للسلطة السابقة وتعويضها بمحتوى رمزي جديد وبقاعدة اجتماعية أكثر حيوية وديناميكية. لقد حل لقب رجل التغيير والتحول محل لقب المجاهد الأكبر "

غير أن مثل هذه القطيعة المعلنة في الخطاب الرسمي الجديد لم تكن لتتجسد كواقع مجتمعي وسياسي ملموس، وذلك لأن عملية التحديث (المبتور) كانت قد بدأت بالفعل في السنوات الأولى من الاستقلال وارتبطت نهائيا بشخص الرئيس التونسي الأول.

تم هذا التغيير الفوقي كذلك في ظرف عالمي تميز بركود اقتصادي وبروز الوصفة السحرية للبنك العالمي وصندوق النقد الدولي والتي تتلخص في انسحاب القطاع العام من مجال المبادرة والتسيير الاقتصاديين وفتح المجال أمام القطاع الخاص دون أي حدود.

في هذا السياق نفهم انخراط السلطة الجديدة في سياسة اقتصاد منفتح دون حدود اعتمادا على دعاية تمجد العمل والبذل والعطاء في سبيل الوطن وتكاد تجرم العمل المطلبي النقابي.

كما انتشرت بالتزامن مع ذلك ثقافة الاستهلاك السريع بالتوازي مع تنامي ظاهرة الربح السريع وبروز فئة جديدة من الأثرياء سيمثلون قاعدة اجتماعية فاعلة للسلطة الجديدة. ستلعب هذه الفئة دورا مهما في تأطير ومراقبة المجتمع، خاصة في المدن حيث انخرطت بكثافة في صفوف الحزب الحاكم.

كان ما حصل عام 1987 إعادة هيكلة رمزية داخلية للسلطة تمحورت حول المحتوى الرمزي للسلطة السابقة وتعويضها بمحتوى رمزي جديد وبقاعدة اجتماعية أكثر حيوية وديناميكية. لقد حل لقب رجل التغيير والتحول (الرئيس بن علي) محل المجاهد الأكبر (الرئيس بورقيبة) معلنا بذلك نهاية شرعية الاستقلال.

Lire la suite

00:55 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Republique, Ben Ali, 7 Novembre

05.11.2007

الرقابة المفروضة على الصحافة التونسية: النموذج المثالي المتّبع منذ عشرين عاماً

6effcfd20c425419fc2de8cc47607a06.jpgفي 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، يحتفل الرئيس زين العابدين بن علي بالذكرى العشرين لتولّيه مقاليد السلطة في تونس. ولا شك في أن الصحف المقرّبة من السلطة والتي تشكل القسم الأكبر من المشهد الإعلامي التونسي تمتدح، كما جرت العادة، أعمال "رئيس التغيير". فلا تذكر الصحافة المحلية سوى التطور الاقتصادي والاجتماعي غافلةً المشاكل التي تعانيها الحريات المدنية وحقوق الإنسان المنتهَكة منذ عشرين عاماً. 

يستفيد الرئيس بن علي من تأييد معظم الدول الغربية بحجة أنه يشكل "سداً منيعاً أمام التهديد الإسلامي". ومن أبرز المؤيّدين، الاتحاد الأوروبي الذي يبقى اتفاق تعاونه مع تونس الموقّع في العام 1995 أقل إلزاماً على صعيد حقوق الإنسان من الاتفاقات المبرمة مع دول منطقة أفريقيا - الكاريبي - الباسيفيك. 

وإذا كانت الأعوام الأولى من وصوله إلى سدة الرئاسة عنواناً للإنفراج، فقد سارع الرئيس بن علي إلى السيطرة على الإعلام. وفي أوائل التسعينيّات من القرن العشرين، ولا سيما في فترة حرب الخليج الأولى، أُعلنِ الحداد على التعددية الإعلامية وحرية التعبير في تونس. فإذا بالصحف المستقلة الناشطة في نهاية رئاسة الحبيب بورقيبة تتعرّض للإقفال الواحدة تلو الأخرى. وفي غضون عشرين عاماً، وضع الرئيس زين العابدين بن علي كل الهيئات المعارضة بدءاً بالصحافة والقضاء تحت الوصاية. ففي خلال هذه الفترة، تعرّضت 48 منشورة على الأقل للاستهداف بتدابير الرقابة (من مصادرة وتعليق وإقفال وغيرها) علماً بأن نصفها خضع لهذه التدابير في السنوات الست الأولى من ولايته.

على مر هذه الأعوام، لم يتوانَ الرئيس بن علي عن إسكات الأصوات المعارضة في الجسم الصحافي والمجتمع المدني على حد سواء. وبين التضليل والتنكيل والقمع، استولت السلطة على المجالات الإعلامية الأساسية التي باتت تخضع لإدارة الدولة المباشرة أو المقرّبين من النظام.

Lire la suite

26.10.2007

مذكرات لزمن الرعية: الظل و الصورة

63c729b97004bccfc1d6944db3a2477d.jpgيسعى نظام السابع من نوفمبر أن يجعل من الذكرى العشرين لتوليه الحكم في تونس على منوال تلك الصورة التي يقدمها عن نفسه للعالم و تلهج بها أجهزة دعايته صباحا مساءا لتذكير رعيته. و هي صورة لو صدقناه في رسمها لما بقي لنا غير التعبير بأسمى عبارات الإكبار و العرفان عن خالص شعور التأييد و الولاء و التكبير طالبين من الله عز وجل أن يديم علينا هذا العهد السعيد. بل أننا لو اتفقنا معه على صدق مضمونها لتجاوزنا ذلك للتنديد بكل ألائك المشككين المناوئين المعارضين "لتجديد الولاية لصانع التغيير و حامي الحمى و الدين" و هي الصيغة التي يستعملونها بشأن الترشح للإنتخابات الرئاسية.

هكذا يريدوننا أن نكون هم يقولون و نحن نبايع ليحكموا أو على الأقل هكذا يفكرون.

و يستحضرني في هذا المجال أبيات لشاعرنا الخالد أبو القاسم الشابي عندما يقول:

مـا كل فعل يجل الناس فاعله            مجدا، فـإن الورى في رأيهم خطل

ففي التماجد تمويه، وشعـوذة،              وفي الحـقيقة ما لا يدرك الدجل

ما المجد إلا ابتسامات يفيض بها         فم الزمان إذا ما انسدت الحيل

و ليس بالمجد ما تشقى الحياة به          فيحسد اليوم أمس ضمه الأزل

و لئن كان من حق إي نظام تقديم إنجازاته و تقييمها بالشكل الذي يرضيه فإن هذا الخطاب يخرج من دائرة العرض عندما يغلق أبواب المناقشة و المحاججة و النقد و المقارنة و التمحيص. بل أنه يتحول إلى استعراض من جانب واحد لا يلبث أن يفتتن بصورته و ينطلي عليه ما أصبح يعتقد أنه حقيقته بما ضخمه بمبالغاته و أخفاه بتكتمه حتى لا يبقى لأي ذي عقل ما يقوله له و بقدر ما ينتشر الصمت من حوله يعتقد أن الناس تصدقه و الحال إنه لم يعد يغالط سوى نفسه. 

لذلك نريد فقط أن نقول و بكل تواضع و بساطة أن الصورة التي تتيحها شرفات قصر الرئاسة بقرطاج و شبابيك مكاتب برج التجمع الدستوري الديموقراطي بشارع محمد الخامس و مكاتب قصر الحكومة بالقصبة وقصر الباي في باردو ليست الصورة التي تفتح عليها منازلنا أو مواطن عملنا أو أماكن تمضية أوقات فراغنا بسبب بطالتنا. لأننا نرى من كل مواقع تواجدنا صورة مختلفة تماما، لا يمكن أن تخطئها العين المجردة.. وهي صورة  صورة رمادية سوداء قاتمة لوضع ممجوج لمجتمع حكم بالعطالة و الشلل على مختلف طاقاته. و حتى يبلغ ما نعنيه بأكثر دقة يمكن أن نشبه الصورة التي أبقيتموها لنا من بلدنا بالمسودة الكربونية للصورة الحقيقية الزاهية لتونسنا و التي جعلتموها حكرا عليكم و ارتأيتم الإستحواذ عليها لخاصة أنفسكم.

لذلك لابد انكم لا تدركون ما نفهم مما تقولون لأنكم لم تعوا أننا لا نبصر ما تبصرون. و لا شك في أن ما تعودتم رؤيته على مدى عشرات السنوات من شرفات قصوركم و قلاعكم و ناطحات سحابكم حري بأن يجعلكم تتطبعون بطباع الأمراء و السلاطين الذين لا شأن لهم بحال الرعية إلا من خلال تقارير الجواسيس و المخبرين عن مدى استكانتها و خضوعها و ما تتطلبه اليقظة لكل ما من شأنه أن يجعل العصيان يدب في صفوفها. و لكنكم تريدون مع ذلك البيعة بالإنتخاب و تريدون أن يقال أنكم رؤساء و نواب و تريدون أن تجعلوا منا جمهورية. ألا يفترض نظامكم أن يكون لكم حراسكم و خدمكم و حشمكم و حاشيتكم وفيالق المتطفلين على أبوابكم و المتوسلين على أعتابكم و كل الذل و النفاق الذي يحيط بكم أينما حللتم حتى يسير كل شيء طبق توصياتكم و تعليماتكم بنا يسمح لكم بأن ترو البلاد كما رأيتم على نحو ما يذكرنا به خطابكم؟ نحن ندرك أننا لم نعد أصحاب صورة و لو رمادية مقهورة و لكننا تحولنا إلى جزء من المشهد الذي صنعه عهدكم. و عندما ندرك أننا لا يمكن أن نبلغ عليّ مقامكم و لا أن يصبح لنا ذكر مع سمو جنابكم لا شك أنكم تفهمون أننا بحاجة لإزالة الحاجز الذي تشكلون حتى نستوي جميعا في وطننا و نعيد الحياة الكريمة الهانئة التي لابد لنا أن ننعم بها ككل أفراد مجتمعنا لأن المشكلة لم تعد حول محتوى سياستكم و إنما تتعلق بجوهر و حقيقة نظامكم. 

و تدركون انه عندما يصل الحال على هذا المنوال إنما نكون قد وصلنا إلى وضع تنتهي فيه الحاجة إلى عبقرية المثقفين و استراتيجيات السياسيين فهم آخر المخدوعين بتعقيدات نظرياتهم و المدركين لحقيقة أوضاع بلادهم لأننا ننتهي جميعا كما أردتم لنا أن نكون لا فرق بيننا و بين الجمهور.  

لذلك لن أحدثكم هذه المرة على القضاء المقهور و العدل المهدور فقد برهنتم أن هذا ليس خطأ في سياستكم و إنما سمة أساسية من سمات عهدكم. كما لن نسألكم أن تدعونا نشارككم الحديث في ما يهم مستقبلنا و مستقبل وطننا و أن لا تجعلونا نخاف منكم عندما ننتقدكم لأننا لم نعد نرى أثرا لوجودكم في أي مستقبل يحقق كرامتنا و ينقذ من الإنهيار بلادنا و يعيد الأمل و البسمة لأبناء وطننا. 

لقد حان الأوان لنترك معزوفة حقوق الإنسان فما جدوى أن نحصل منكم على حقوق بعد أن تكونوا قد سلبتم منا الإنسان الكامن فينا عدى مزيد تمجيدكم و الإنحناء لكم بالشكر على مكرمتكم لأننا في مثل تلك الحال ندرك أننا لم نعد نصلح لها أو نجد ما نفعله بها.

كيف لنا أن نواصل مطالبتكم بتمكيننا من حرية النشاط لأحزابنا و نقاباتنا و جمعياتنا حتى ننتهي قهرا و كمدا على تحويلها معاقل لمحاصرتنا و مراصد لمراقبتنا و ماذا بقي لنا نفعله بها بعد أن شطبتم حياتنا و لم يبقى مجال لغير نشاطكم و سداد رأيكم و حكمة توجيهاتكم وبعد نظركم و عظمة إنجازاتكم و جمهورية غدكم.  

و أية دولة قانون و مؤسسات يمكن أن ترتجى منكم وقد حولتم البلاد منذ أول يومكم إلى ثكنة عسكرية تحكم طبق قواعد الإنظباط و تنفيذ التعليمات. ليتكم تعودون إلى بزتكم و نياشينكم فهي خير ما يليق بكم حتى يمكننا على الأقل توسل إنهاء خدمتنا الوجوبية بعد عشرين سنة من الطوارئ الأبدية أو مطالبتكم بإعلان حربكم حتى ندرك من هو العدو و ما هي القضية. 

سادتي قادة العهد الجديد هل لي أن أدلكم على ما يفيدكم و يدخل في جوهر مشاغلكم. فلا زال في البلاد مجال كبير من السباخ و الأراضي السائبة مما لا يمكن أن ينازعكم فيها أحد لو رغبتم بيعها لبعض الأثرياء الأجانب المغفلين و جنيتم منها ما طاب لكم لأن غنمها سيكون لوطننا العزيز بما ستجلبه من استثمارات و تحققه من إنجازات عدى ما سينوبنا نحن بتشغيلنا خدما و مساحين لدى المعمرين القادمين من الخليجيين و الغربيين.  

كما أنه لا شك لا يخفى عليكم أن تونس بفضل بركة أوليائها لا ينقبض خيرها و لا يزال فيها من المؤسسات الرابحة و المشاريع المجزية ما يغني كل عائلاتكم حتى لا تتنازعوا على الصفقات فينفض شملكم و تذهب ريحكم. و إن كنت لا أنصحكم بشركة التطهير و البالوعات و المواسير بعد أن انكشف حالها فإن شركة المياه غنيمة حقيقية و يمكن تصنيف المياه التي توزعها كمياه معدنية و بيعها بسعر القوارير بشارع بورقيبة و مقاهي المنار بحيث نحقق اقتصادا في المياه و لا تذهب أي قطرة للمواسير لتنافس فيها مياه الأمطار وقت الفيضانات و الأمطار. كذلك عليكم بشركة الكهرباء فهي مما لا غنى لأحد عن بضاعتها مهما غلا سعرها. و كما تعلمون مازال غيرها كثير... 

كما أنه لا يفوتني لفت نظركم لضرورة أخذ إحتياطات حازمة لتنظيم الفوضى التي أصبحت تعم الأسواق بفعل كثرة التجار و انتشار الإزدهار. ذلك أنه خلافا لما ادعاه ابن خلدون من أن تجارة السلطان مهلكة للرعية فقد أكدت هذه الظاهرة أن تجارة السلطان يمكن أن تصبح نعمة حقيقية على الرعية بفضل أثمانها الزهيدة عدى كونها تقضي على البطالة نهائيا و تحول كل العاطلين إلى تجار ثياب مستعملة و منتصبين فوضويين و باعة متجولين بحيث نحقق التشغيل الكامل و ننافس أكثر الدول نموا في جداول إحصائيات التنمية البشرية.

هكذا تتحول السلطة إلى مدخل للمغانم و المحاصصة في نهب المال العام و تملك المؤسسات الوطنية بعقلية ربحية فردية و هو مجال مهما حاولنا تخبل ما يدور حقيقة داخله لا تلبث أن تأتي الحقيقة لتكذبنا و تعلمنا أن الواقع فات تخيلنا.

و كما تنحسر المنافسة في تسخير اقتصاد البلاد لخدمة مصالح بعض العائلات تنحسر السلطة الحقيقية بين بعض الأيدي الخفية و تغيب أهداف السياسة الحقيقية في ثنايا الأراجيف و المغالطات المسخرة لها ترسانة دعائية أهم سماتها أنها تحيل على نموذج لا عقلاني متخلف للسلطة يكرس الإنحراف و التواطؤ على التورط  في استغلال النفوذ لا مخرج منه سوى تكريس الجهل و الفوضى و الديماغوجية و دحر المجتمع إلى الإستكانة و الذل و التسليم بالعدم و القدرية. حتى نصل للنموذج الذي يجعل القائمين على السلطة على منوال ما عرفته بلادنا في عصر البايات و الإستعمار من مماليك و مستعمرين أجانب عنه و لم يبقى أثر لعلاقة تربطهم به و لو أنهم من أبناء وطنه. و أي علاقة بالمجتمع يمكن أن تبقي لوزير لم يتزحزح عن الوزارة منذ عشرات السنين و يمكنه أن يشغل أي حقيبة لا فرق بين الرياضة أو التجهيز أو الخارجية أو الداخلية، مجرد مناصب تتداول فيما بينهم دون أن تكون لهم سلطة حقيقية عدى رهائن يكرسون بإمضاءاتهم كل التجاوزات و الإنتهاكات بعد أن أدركوا أنهم تورطوا و لا ملاذ لهم غير السلطة التي يستأجرون لها حماية لأنفسهم. 

عندما يحل 7 نوفمبر بعد أيام تأكدوا أن الصورة التي ترونها تخدعكم حتى لا يسيل أكثر مما سال لعابكم. فتونس الخضراء جميلة فعلا و لكنها غاضبة حقا حتى لا يخدعكم سكونها طمعا في مزيد اغتصابها. و لعل ما لا تدركونه أننا صرنا على الأقل ندرك من أنتم و لم نعد ننخدع بكل ما تسرفون فيه بما تتنكرون لإخفاء حقيقتكم. لقد ضاقت دائرة السلطة الحقيقية من حولكم حتى لم يبقى فيها مجال لغير الولاء القائم على المحسوبية و القرابة العائلية فجمهورية آل من أنتم ؟ 

لعلكم لن تكونوا عدى "عابرين في كلام عابر" ككل المستبدين قبلكم... لأنكم لستم سوى الظل الذي يخيم على صورة تحتضر حتى صارت كل البلاد متأهبة لانقشاعه تنتظر. 

 المختار اليحياوي – تونس في 20 أكتوبر 2007

* الصورة لشارع الحبيب بورقيبة بعد أمطار يوم السبت 13 أكتوبر نشرتها جريدة "لوموند" الفرنسية

23:30 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Ben Ali, 7 Novembre

21.09.2007

انتظار في تونس لقرارات لم تتّـضح معالمها بعدُ

صلاح الدين الجورشي - تونس 

d1c43cb5fbdcfffa8bf75730517fdef9.jpg كيف يبدو الوضع السياسي في تونس قبل شهرين من حلول الذكرى العشرين لاستلام الرئيس بن علي للسلطة؟ رغم الشكوك القوية التي تسكن الكثيرين، تولي الأوساط السياسية، خاصة منها المنتسبة لصفوف المعارضة، لهذه المناسبة أهمية خاصة. 

الأوساط السياسية، خاصة المنتسبة لصفوف المعارضة، تولي لهذه المناسبة أهمية خاصة، حيث يتوقع البعض أو يأملون في أن يقدم رئيس الدولة على اتِّـخاذ بعض الإجراءات التي قد تساعد على حلحلة الوضع العام والسماح للمجتمع المدني بقدر أعلى من الحريات، فرغم الشكوك القوية التي تسكن الكثيرين، إلا أن هناك من هو مُـصر على إشاعة حالة من التفاؤل الحذر. 

خلافا للتوقعات، شهِـدت الأسابيع الأخيرة من هذا الصيف سلسلة من المناوشات، استهدفت وجوها معروفة بمعارضتها للسلطة، وكان أخطرها على الإطلاق تعرّض مكتب المحامي عياشي الهمامي - الذي سبق وأن احتضن إضراب 18 أكتوبر الشهير - لعملية حرق مثيرة، لكنها تبدو متعمدة.

وبالرغم من أن التحقيق الذي تعهّـدت به الجِـهات الأمنية المختَـصة، لم يكشف حتى الآن عن هوية الجاني، فقد سارع المعني بالأمر إلى اتِّـهام البوليس السياسي بالوقوف وراء الحريق، وهو ما نفته الأوساط الرسمية. وقبل ذلك بفترة وجيزة، تعرّض السيد نجيب الشابِّـي إلى مضايقة غريبة من قِـبل الشرطة التي منعته من الجلوس في مقهى أو حتى على رِمال الشاطئ صُـحبة أفراد من حزبه (الحزب الديمقراطي التقدمي).

كما تجدّد الاشتباك بين رجال الأمن وأحد صحفيي قناة "الحوار" المستقلة، التي تبث برامجها من إيطاليا، ويبدو أن تطوّر أداء هذه القناة التي نجحت في تسليط الأضواء على عديد الأحداث والملفات الخاصة بأوضاع الحريات، إلى جانب اتِّـساع قاعدة جمهورها خلال الأشهر الأخيرة قد بدأ يُـزعج السلطات.  

وفي محاكمة السيد عمر المستيري، تعرّض الدكتور خليل الزاوية، عضو الهيئة المديرة للرابطة إلى جانب بعض المحامين (من بينهم المحامي رؤوف العيادي) للعنف المادي والمعنوي على يد محام ينتمي للحزب الحاكم، حدث الاعتداء حسبما أوردته مصادر حقوقية، أمام رجال الأمن الذين فضّـلوا عدم التدخل.

تضارب في المؤشرات ولكن.. 

هذه المُـعطيات وغيرها لا تزال تحتاج إلى تفسير، لكنها في العموم جاءت خارج سِـياق الانفراج المحدود الذي يجري الحديث عنه منذ فترة والذي دلّـت عليه وقائع ومؤشرات سبق أن تمّ التعرّض إليها.

Lire la suite

01:37 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Opposition, Ben Ali