20.07.2008

تقرير حقوقي مصري صادر عن مركز القاهر لدراسات حقوق الإنسان يتهم الحكومات العربية بتقويض استقلال القضاء

ركز آخر تقرير لمركز القاهرة لحقوق الإنسان على ملف استقلال القضاء في البلدان العربية ورصد مؤشرات عدها دليلا على تراجع الاستقلالية مقابل تبعية واضحة للسلطة رسختها القوانين المعمول بها.

واتهم التقرير الحكومات العربية بتقويض استقلالية القضاء عبر تشريعات تمررها الأغلبية التابعة للحكومات بالبرلمانات العربية، وانتقد تحكم السلطة التنفيذية متمثلة في وزارات العدل بميزانيات القضاء وتعيينهم وترقيتهم وتفويضهم ومراقبتهم ونقلهم.

واعتبر التقرير أن التشريعات والممارسات التي تبنتها السلطات التنفيذية في معظم الدول العربية "أساءت إلى استقلال القضاء وإلى المعايير القضائية، ما أوهن ثقة الجماهير في قدرة القضاء الوطني على إعمال العدالة والمساواة".

وقال التقرير الحقوقي الذي تلقت الجزيرة نت نسخة منه إن الدساتير العربية دائما ما تنص على هيمنة السلطة التنفيذية على السلطتين البرلمانية والقضائية، مشيرا إلى أن هذه السيطرة تخالف المعايير الدولية الخاصة باستقلال القضاء.

نماذج عربية

ورصد التقرير أوضاع القضاء في عدد من الدول العربية، منها مصر وتونس ولبنان والأردن وسوريا والمغرب والسعودية، مذكرا في كل حالة بحجم ما وصفها بالقرارات والمضايقات الحكومية التي تستهدف حصار القضاة وإبعادهم تماما عن المشاركة في الحياة العامة.

ففي مصر، اعتبر التقرير أن النظام القضائي شهد استقلالا نسبيا مقارنة بالبلدان العربية، قائلا إنه لا يزال يعاني تدخل السلطة التنفيذية "من خلال تحويل المدنيين إلى القضاء العسكري الاستثنائي، وإنشاء أشكال جديدة للقضاء الاستثنائي كالمحاكم الاقتصادية، وكذلك المضايقات التي يتعرض لها القضاة بسبب مواقفهم السياسية".

وفي تونس، يقول التقرير إنه يتم تعيين أعضاء المجلس الأعلى للقضاء بقرار من رئيس الجمهورية، كما أن قرارات المجلس تتخذ بالأغلبية وعند الحاجة إلى صوت فاصل، يقوم الرئيس أو وزير العدل بهذا الدور، علاوة على ذلك يمكن محاكمة المدنيين أمام محاكم استثنائية إذا كانت القضية مرفوعة من أحد أفراد القوات المسلحة.

وطبقا للتقرير, تعرض القضاة الذين شاركوا في الدعوة إلى إصلاح النظام القضائي بتونس للعزل.

أما في لبنان، ووفقا للتقرير، فـ"يعين القضاة بموجب مرسوم بناء على توصية من المجلس الأعلى للقضاء. كما تصنف محكمة العدل اللبنانية على أنها محكمة استثنائية، حيث تحال إليها القضايا بمرسوم عن رئيس الوزراء, ولا يمكن استئناف الأحكام الصادرة عن تلك المحكمة أو الطعن بها".

وفي الأردن تعين السلطة التنفيذية رؤساء المحاكم بمراسيم ملكية، كما أن السلطة التنفيذية مسؤولة مباشرة عن التعيين في المناصب القضائية المرموقة. ومن ثم فالمجلس الأعلى للقضاء في الأردن كما يقول التقرير لا يتمتع بأي حال من الأحوال بأي استقلالية.

وفي سوريا، يقول التقرير الحقوقي المصري إن جميع أعضاء المجلس الأعلى للقضاء أعضاء بحزب البعث الحاكم، كما أن رئيس الجمهورية هو رئيس المجلس، وهو المسؤول عن تعيين أعضاء المحكمة الدستورية رغم أنها المحكمة الوحيدة المسؤولة عن محاكمة الرئيس في قضايا الخيانة العظمى.

وفي السعودية، يشير التقرير إلى أن تعيين القضاة وعزلهم يستند لمراسيم ملكية وتوصيات من المجلس الأعلى للقضاء الذي يعين رئيسه وأعضاؤه أيضا بمراسيم ملكية.

علاوة على ذلك، يقتصر دور المجلس كما يقول التقرير على اقتراح المرشحين لمناصب نائب رئيس محكمة النقض والمحاكم الابتدائية والمحاكم الجزئية، ثم يعين المرشحون عقب ذلك بمراسيم يصدرها وزير العدل.

وفي المغرب، لا يزال دور المجلس الأعلى للقضاء محدودا حيث يترأسه الملك بنفسه وبيده قبول توصيات المجلس أو رفضها. كما أن القضاة يمنعون من ممارسة الحق في تكوين نقابات أو اتحادات. وطبقت السلطات المغربية مؤخرا تدابير "صارمة" ضد القضاة لعلاقتهم بجمعية الدفاع عن استقلال القضاء, حيث أجبر القضاة على الانسحاب من تلك الجمعية, طبقا للتقرير.

ظاهرة متزايدة

2681c1d9272cc116253f750e69daf6fc.jpgوتعليقا على ذلك يقول مدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان بهي الدين حسين للجزيرة نت إن أعضاء النيابة العامة في معظم بلدان العالم العربي يعانون انتقاص استقلاليتهم ومن الخضوع للسلطات التنفيذية متمثلة في وزارات العدل, وقد أصبح هذا الأمر ظاهرة متزايدة الخطورة, على حد وصفه.

كما اعتبر أن العديد من البلدان العربية تتذرع بمكافحة الإرهاب من أجل تمرير تشريعات خاصة تمنح سلطات أوسع لوكلاء النيابة، ما "يقلص المراجعة القضائية لإصدار أوامر الاعتقال والحبس للمتهمين، ويسمح بالتحفظ عليهم لفترات طويلة لحين الانتهاء من التحقيقات".

ودعا حسين هيئات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان والقضاة في العالم لحث الحكومات العربية على تبني برامج طموح للإصلاح القضائي ترمي إلى تعزيز استقلال القضاء.

وطالب مدير المركز الحقوقي الدول العربية بمراجعة دساتيرها لكفالة التمسك بالمعايير الدولية والالتزامات الخاصة باستقلال النظم القضائية، والحفاظ على استقلال الهيئات القضائية ماديا وإداريا، وحظر جميع أشكال المحاكم الاستثنائية بموجب الدستور.

يشار إلى أن مركز القاهر لدراسات حقوق الإنسان يتمتع بوضع استشاري في المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة، وأيضا بصفة مراقب باللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، وعضوية الشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان.

محمود جمعة- الجزيرة 19/7/2008

19.07.2008

التحدي

"التحدي" هو الشعار الذي اعتمده "حزب الرئيس زين العابدين بن علي" لمؤتمره القادم الذي بدأت الإستعدادت له بالإجتماع الأخير للجنته المركزية و سيل الهذيان الذي بدأت تطفح به مختلف وسائل الإعلام الوطنية من خطاب مركز من المغالطات وخارج على السياق و منفصل عن كل الحقائق الدامغة و المشاغل الحية التي يعرفها و ينتظر حلولها كل التونسيون.

f861de735f2143236314b1cdc5753452.jpg

و"التحدي" الذي يرفعه اليوم "حزب الله ينصر من صبح"، عدى ما تحمله العبارة من استفزاز، ليس سوى تحدي لإحياء هذا الخطاب العائد إلينا من عقود سحيقة من تراث السياسات السلطانية بكل ما تحمله في ذاكرتنا من تأليه للطغاة المتجبرين و توسل لتشريع الظلم و تملق و انحطاط أمام الغاصبين. و لعل الكلمات هنا على قسوتها لا تفي بالمعاني اللازمة للتعبير عن شعور الازدراء الذي تضيق به صدور الأغلبية الساحقة من التونسيين.

و ما نراه اليوم من هذا الحزب، سواء في خطابه أو في طرق عمله وشعاراته، ليس جديدا و لا غريبا بل منسجم تماما مع تاريخه و سابق مواقفه. و بقدر ما يذكرنا مؤتمره الحالي بنفس الخطاب الذي كان يرفعه في أواخر عهد رئيسه السابق و مؤسسه ليصحوا ذات يوم على بيان يعلمهم أن معبودهم وزعيمهم و مجاهدهم الأكبر الذي يحكمهم إلى حد ذلك اليوم لم يكن سوى مختل المدارك العقلية بشهادة أطبائه و أقرب أعوانه. ورغم أن هذه المفارقة في حد ذاتها تكفي للوقوف على حقيقة حزب فرط في مصير بلاده لمختل عقليا رئيسا مدى الحياة فإنها لا يمكن أن تنسينا ما حصل منه سواء في ذلك العهد أو خلال العقدين الأخيرين من عهد خليفته، فقد كان دائما وكرا للطمع و الخسة و المناورات الدنيئة ضد كل الشرفاء و النزهاء و الوطنيين. و لم تصدر منه يوما كلمة حق في نصرة مضطهد أو للتنديد بمظلمة منذ قيام حكمه. و كان مع القمع دوما أينما كان و أي كان المستهدف بمحرقته و لو كانوا من بين أعضائه و في صفوف حزبه. و عندما انتفض الشباب وقفوا موقف العداء من أبنائهم فسيجوا الجامعات و ركزوا مراكز الشرطة في مختلف الكليات و بثوا أعوانهم من المخبرين و الجواسيس بين الطلبة و في مختلف إدارات المعاهد و الكليات كما هم بصدد مطاردته اليوم تحت مختلف اللافتات وفي كل الفضاءات. و هم يعرفون كما يعرف اليوم كل التونسيون كيف كان تعاملهم و ما هي مواقفهم ولا تزال من العمال و النقابيين و الضعفاء و المحرومين و المهمشين و ما حل و يحل بالديموقراطيين من عسف و جور و اضطهاد عندما حاولوا التصدي لهم و من من اليسار أو القوميين أو الإسلاميين أو الوطنين الأحرار على اختلاف مللهم ونحلهم لم يكن هدفا في يوم من الأيام لآلة قمعهم ولم يتعرض للمحاكمات و المطاردة و التجويع بسبب معارضته لهم؟

لذلك عندما أتحدث بهذا الكلام فأنا لا أتحدث عن تجربة ذاتية و لا عن مشكلة خاصة قائمة بيني و بينهم بل عن المشكلة القائمة بينهم و بين مجتمعهم و عن مشكلتهم مع تاريخهم من وحي الشعار الذي يرفعونه لمؤتمرهم و عن مشكلتهم مع واقعهم كما يدل عليها خطابهم. فمن هم التجمعيون حقيقة اليوم في يقين ووجدان كل التونسيين عدى كونهم بطانة السلطة مهما تغير الحاكمين و عملاء المتسلطين مهما بلغ مدى ظلمهم و دوسهم للدستور و القوانين و الإنتهازيين المتمعشين من إقصاء غيرهم عن مختلف حقوقهم المشروعة في وطنهم. فإن كانوا لا يستحون كيف لنا أن نستحي من مواجهتهم بحقيقتهم..

و يكفينا اليوم شاهدا على "ديمقراطيتهم" احتقارهم لكل من كان معارضا لهم فردا كان أو تنظيما مهما بلغت درجة ضآلته. لذلك تجدهم لا ينضرون بنضرة الإختلاف و لكن بنضرة العداء لكل من خرج عن خط الإذعان و المنافقة لهم حتى أنهم لا يدركون وهم ينفخون في صور بعض الرموز البائسة لتعدديتهم ممن نصبوهم على أحزاب بطشوا بمناضليها و سجنوا قيادتها الفعلية أن مهزلتهم الغبية لم تعد تنطلي على أحد سواهم. لذلك نجدهم من خلال سعيهم المحموم لابتزاز شواهد الولاء و التأييد لحكمهم لا يكشفون سوى حقيقة اغتصابهم للسلطة و طبيعة استبدادهم بالحكم إلى درجة العجز عن تصور طريقة أخرى لممارسته لا تكون قائمة على احتكارهم المطلق و تفردهم دون حسيب أو رقيب. و هذا ما يجعلنا نلمس ما نراه اليوم في خطابهم من أقوال لا مضامين لها تصدم العقل من فرط تخلفها و تبعث على النفور لتعارضها مع حقيقة ممارساتهم.

و هكذا تتضح حقيقة "التحدي" الذي يرفعه اليوم "حزب الرئيس زين العابدين بن علي" من خلال مؤتمره. و هذا التحدي ليس قائما على منطق سياسي من خلال جدلية اجتماعية و اقتصادية و إنما أساسا على حد أخلاقي بين نظرة تملك بالبلاد و تحكم في الرعية تسخر الخطاب لإحكام الجهل و التخلف و التسليم لمنطق القوة بالتجويع و السلب و الإقصاء و التشجيع على الخضوع بالتوسل و الإستجداء و التطميع كما يحصل هذه الأيام مع القصرين و قفصة و بين نظرة كفاحية تضع الحرية في أسمى مراتب تجلي الذات الإنسانية قولا و ممارسة و تعبر من خلالها على رؤيا تستجمع كل الأحلام و الأهداف و الطموحات التي يمكن أن تخالج أي فرد من أفراد مجتمعها خارج أي رؤية سياسية مرتهنة لممارسة السلطة باعتبار السلطة ليست سوى أداة يجب تسخيرها لخدمة كل هذه الأحلام و الأهداف و الطموحات.

و هذه الرؤيا لا تحتاج إلى خطاب جميل منمق بالمعاني السامية و الوعود الخاوية بينما يعجز عن المواجهة المباشرة القائمة على طرح المشاكل الحقيقية و الإنتظارات الفعلية لأنه خطاب قائم على مغالطة شعبه لا يسعى لتأليف مجتمعه و جمعه للمشاركة في رفع مختلف التحديات التي تواجهه بل إلى إقصائه و تجميده و كتم صوته لمصلحة أقلية تنتهب مقدرات وطنه و تستخف بمصيره. و هو علاوة على ذلك نظام يستمد موقعه بين قادة الأمم من تحقير شعبه و شرعيته من دوره في إضطهاده وفرض وصايته عنه لحماية الغير مما يهوله لهم من الأفكار التي تسكنه. و إذا كان الرئيس بن على في غياب بديل حقيقي عن إفلاس سياسة نظامه يسعى إلى النفخ في هالة حزبه من خلال تقديم أرقام واهية لعدد منخرطيه أغلبهم من المتكسبين و الإنتهازيين و المنافقين حفاظا على مواقعهم ممن لم يعد يخفى على أحد حقيقة عددهم في كل شعبة من شعبه فإنه يبقى مع ذلك عاجزا عن التعبير عن حقيقة ما يطمح إليه منخرطيه أنفسهم حتى أصبح انخراطهم لا يعبر سوى عن بؤس الأوضاع التي حكمت على الأغلبة الساحقة من بينهم على اليأس من قيمهم و التظاهر بالولاء في مواجهة شظف العيش الذي قادهم إليه حكمه. و هؤلاء سيصفقون لمن بعده كما كانوا يصفقون لمن قبله فطوبى لكم الحضيض الذي ترفعون بهم تحديكم. لكم صفكم و لنا صف كل التونسيات و التونسيين و هيهات للظلم أن يدوم...

المختار اليحياوي – 19 جويلية 2008

23:15 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, congrés du RCD, Dictature

15.11.2007

أمواج الصحراء : خواطر حول التغيير في عهد التحول

2377461ad7088f277da0942422f34919.jpgعندما تطرح قضية التغيير أو ما يطلق عليه عندنا بالتحول فإن الصيغة المتداولة عادة تتناول القضية من زاوية مدى وجود الإرادة السياسية للتغيير من عدمها. لذلك لم يتوقف الإعلام الرسمي عن التأكيد عن جدية وقوة هذه الإرادة بينما لم يتعدى مخالفيه التشكيك في جديتها. هذه الحلقة المفرغة التي سقط فيها الخطاب السياسي عندنا منذ عقدين أصبحت أهم علامة عجزه عن تجاوز جانب النوايا و إقتحام مجالات الفعل الواقعية الملموسة و البحث عن وضعية الأدوات السياسية الكفيلة وحدها بتحقيق التغيير.

و قد أدى هذا النسق في تناول قضية التحول إلى مأزق في تحديد مفهوم التغيير و أصبحت السلطة تدلل على نجاحها في إحداثه بما يحصل من تحولات في مستوى البنى التحتية و الإقتصادية و معدل الدخل و نسبة التمدرس و إنساق منتقدوها عن وعي أو بدونه إلى محاولات قائمة على خطأ منهجي في تفكيرهم يستبطن فكرة أن مؤشر عدم تحقق التغير يجب أن يقترن بفشل إقتصادي وتدهور في مستوى عيش السكان و تردي لمختلف المؤشرات الإقتصادية و الإجتماعية للبلاد. و هكذا حصلت نقلة تدريجية في مضمون التغيير و مجالاته من استحقاق سياسي محدد و صريح سواء بنص بيان السابع من نوفمبر أو بمضامين الميثاق الوطني إلى عملية تقييم لأداء السلطة المنبثقة عن انقلاب السابع من نوفمبر بكل ما ورثته من شمولية و جمع لكل السلط و تسلط على المجتمع مما قاد إلى نتيجة معاكسة لبرنامج التحول عمقت من وطأة الإستبداد و من اختلال ميزان القوى داخل على حساب الأغلبية على النحو الذي وصلنا له اليوم. 

كما أن المقصود عادة بالإرادة السياسية أصبح ينصرف حصريا إلى إرادة السلطة رغم أن أي سلطة لا يعتد بها إلا بقدر تعبيرها عن إرادة مجتمعها و إذا كان لها من تغيير تخطط لإحداثه فإنها تبادر به منذ الأيام الأولى لتولي القائمين بها مقاليدها أما بعد عشرين سنة من ممارسة الحكم فلا يمكن أن يبقى لها ما تغيره من حقيقة طبيعتها و يعرف كل موضوعي متزن أنه من السذاجة مواصلة انتظاره منها خاصة إذا كانت قد قامت فعليا على تكريس و تعميق الإستبداد و ممارسة القمع و هي تدعى دعم الحريات و الدفاع عن حقوق الإنسان.

و لعل هذه الوضعية هي السبب في خلق وضع مقلوب حيث تحولت قضية التغيير إلى عنوان لخطاب السلطة في مواجهة خطاب للمعارضة يبدو أكثره تشددا لا يتجاوز المطالبة بإصلاحات تسمح لها بوضع أفضل للمشاركة حسب القواعد القائمة بحيث تبدو ملكية أكثر من الملك و أكثر محافظة من السلطة نفسها. فالسلطة بتمسكها بالدفاع عن زيادة مكتسبات التنمية على حساب المطاب السياسية تبدوا أكثر إهتماما بمصالح المجتمع من مشاغل معارضة منكفئة على أزمة اوضاعها الخاصة. و هذه الإستراتيجية سبق أن اختبرها بنجاح النظام الحالي في بداية استيلائه على السلطة منذ 20 سنة عندما رفع لواء تكريس احترام حقوق الإنسان فنجح في تهميش المعارضة و المجتمع المدني و تحجيم ضغطهما في صياغة الإصلاحات المطلوبة مما مكنه من وضع تعديلات شكلية لم كانت نتيجتها الفعلية سوى تمكينها من مزيد إحكام سيطرتها على الأجهزة القمعية للسلطة و الحفاظ على وسائل التحكم والردع المسلطة على المجتمع بواسطتها. و على نفس المنوال تحولت قضية التغيير من تغيير نظام شمولي مستبد بكل السلط قائم على قواعد الولاء و الزبونية و على تغييب إي ممارسة حقيقية لمراقبة المجتمع لأداء السلط العمومية إلى البحث عن تفاصيل جزئية لا تسعى من ورائها النخب الساعية إليها سوى إلى تحسين وضعيتها الخاصة في إطاره دون تغير حقيقي في طبيعته.

قد يهم المختصين في دراسة بسيكولوجيا الجماعات لماذا لا تزال نخب مجتمعات مثل مجتمعنا تتوهم أنه سيقع تلبية أمانيها في الحرية و الديموقراطية من طرف نفس السلطة القائمة على تكميمها و قمعها واضطهادها. و لكن هذا ليس موضوعنا لأن ما يهمنا وضع المجتمع في مواجهة السلطة و الوصول إلى الوضع الذي يصبح فيه المجتمع قادرا على إفراز السلطة التي تلتزم بتحقيق مصالحه لا أن تبقى هذه السلطة أداة لقمعه و التحكم فيه. و لكن الخطاب الغالب على النخبة التي تدعى النضال من أجل الديموقراطية و الحريات رغم ما يطبع بعضه من حدة ظاهرية قائم أساسا على فكرة التوجه إلى السلطة و إشاعة حالة الإنتظار بما يجعله يلتقي موضوعيا مع دعايتها التي لا تنفك يوما عن التأكيد على حرصها على قيم الديموقراطية و حقوق الإنسان دون أن تتوقف يوما عن ممارسة نقيضها. و لا مجال اليوم للوصول إلى إحداث تحول حقيقي دون فضح هذه الوضعية و إنهاء هذه الحقبة القائمة على السفاهة السياسية و الخروج بالخطاب السياسي إلى القضايا الحقيقية.

 ذلك أن ما يحقق التغيير و يبني الديموقراطية هي الأدوات العملية من تنظيمات و مؤسسات و ممارسات و هي ليست منة تهبها الإرادة السلطانية لتسويفهم بانتظارها و لكنها مؤسسات و تنظيمات وقواعد عمل و محاسبة قائمة حسب شروط و ضوابط معروفة سلفا ولا تصلح إلا بتوفرها. و لكن ما نعاينه فعليا على مدى العشرين سنة المنقضية أن الشغل الشاغل لنظام السابع من نوفمبر منذ قيامه لم ينصرف إلا إلى سحق كل التنظيمات و تكبيل كل المؤسسات و التصدي لأدنى الممارسات التي يمكن أن تندرج في إطار العمل أو التعبير الحر و المستقل في مجال الشأن العام أو المس من الصبغة الشمولية المستبدة للنظام. و كما لم يأتي الإستقلال من أنصار الإندماج مع الإستعمار و لا من أنصار الإستفادة من الإنجازات التحديثية و البنية التحتية التي جاءت بها الأقلية المستعمرة نعتقد أن المتملقين للدكتاتورية و المقرين بإنجازاتها و المنتظرين لمبادراتها هم موضوعيا حلفائها و سبب بقائها. 

و هكذا بقي الخطاب السياسي في تونس تائها يطارد السراب في حين لا يبقى واضحا للعيان سوى أمواج لصحراء لا تنتهي تجاوزت حدود الإستبداد لحالة من الملكية الفعلية بفعل إطالة عمر الدكتاتورية و ما خلفه من نشر للإحباط. فالخطاب الديموقراطي لم يهتدي إلى الأدوات التحليلية الضرورية القادرة وحدها على توضيح الرؤى بتحديد الإتجاه و ترتيب الأولويات و صياغة رأي عام مستوعب لحقيقة واقع مجتمعه و قادر على الإهتداء للحلول الحقيقية الكفيلة بإنهاء المرحلة الدكتاتورية عن وطنه.

معارضة مزايدة في الموالاة

اعتبر حزب الوحدة الشعبية أن خطاب الرئيس كان في مستوى تطلعات المناضلين من أجل الديموقراطية و التقدم واعتبر مكتبه السياسي أن الخطاب جامعا لجميع الأبعاد السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية. أما الحزب الإجتماعي التحرري فقد قال أن الخطاب يعطي نفسا جديدا للخيار الديموقراطي و اعتبره يشكل بجميع المقاييس حدثا يكتسي أهمية قصوى في الحياة الوطنية و سطر معالم استراتيجية المستقبل و أنه يستجيب لتطلعات كل القوى السياسية الوطنية. و حيّت حركة الديموقراطيين الإشتراكيين الإجراءات الواردة بخطاب الرئيس منقذ الوطن و باني مجده. كما اجتمع حزب الخضر للتقدم لتدارس أبعاد و مغازي الخطاب المنهجي للرئيس وأكد أن خطاب العشرينية سيشكل محطة أخرى مهمة في تاريخ البلاد. كما عبر الامين العام للاتحاد الديمقراطي الوحدوى عن تقديره الكبير للجهود التي يبذلها الرئيس زين العابدين بن علي من اجل تطوير الحياة السياسية في تونس والتي قال أنها ليست بالهينة ملاحظا أن خطاب سيادته اليوم خطاب ايجابي وياتي في مرحلة دقيقة بعد عشرين سنة من التغيير.[1] و من ناحيتها أصدرت حركة التجديد بيانا أكدت فيه على أهمية ما ورد في هذا الخطاب من إعلان عن إجراءات تتعلق خاصة بدور الأحزاب في تطوير الحياة السياسية وتعديل المجلة الانتخابية ووضع حد للرقابة الإدارية المسلطة على الإبداع الفكري والثقافي.[2]

هكذا إذن تجسد التغيير وولى إلى غير رجعة ذلك العهد الذي كانت فيه خلايا شعب الحزب الحاكم و لجانه و هيئاته تتهافت على الإبراق بالولاء و التأييد للمجاهد الأكبر و لصانع التغيير بعده عند كل كلمة يتوجه بها عبر الإذاعة و التلفزة بل أصبحت أحزاب "المعارضة" هي التي تضطلع بهذا الدور. وهي بذلك لا تقدم سوى "صورة مشوهة عن الأصل" الذي يمثله التجمع الدستوري كما وصفها أحد أقطاب مجلس المستشارين.[3]

لئن كان من حق كل حزب أن يحدد مواقفه بالشكل الذي تمليه علي قراءته و تقتضيه مصالحه فإن إي حزب يدعي المعارضة لا يمكن إلا أن يفقد خصوصيته إذا لم يترك مجال للتباين بين مواقف السلطة و مواقفه. و لكننا عندما نتأمل مختلف البيانات الصادرة بهذه المناسبة و التي ليست سوى انسجاما مع المواقف السابقة لمختلف هذه الأحزاب و لأدائها داخل مجلس النواب نجد أنها أصبحت تتقدم عن الحزب الحاكم "التجمع الدستوري الديموقراطي" في مساندة السياسة الحالية لرئيس الجمهورية. و هكذا لم يبقى من معنى لمعارضتها سوى معارضة الحزب الحاكم بالمزايدة في المساندة و إظهار الولاء "لصانع التغيير" كما يسمون رئيس الدولة. لذلك نجد أن السؤال الذي يطرح نفسه و لا يجد جوابا شافيا هو المقصود بالإصرار على تصنيفها أحزاب معارضة؟ و إن كانت معارضة أين معارضتها و فيما تختلف عن الحزب الحاكم نفسه؟ و هل يحق إعتبارها معارضة بالمعنى الذي يخولها الإنتفاع بإجراءات دعم تمثيلية الأحزاب داخل المجالس التشريعية و البلدية إذا كان المقصود من هذه الإجراءات حقا ضمان حد أدنى من التعددية داخلها.

معارضة من صلب منظومة الإستبداد

ربما كان في زمن الحزب الواحد منذ عشرات السنين نستسيغ تصنيف كل من لم يكن منسجما ومنضويا تحت لواء الحزب الدستوري معارضا ولكن هذه الوضعية تغيرت بعد الإنسلاخات المتتالية عن هذا الحزب و التي بدأت بظهور حركة الوحدة الشعبية في المهجر بعد محاكمة أحمد بن صالح و فراره إلى جانب الحزب الشيوعي منذ منعه في بداية الستينات ثم تكونت حركة الديموقراطيين الإشتراكيين خارج الشرعية إثر إنشقاق أحمد المستيري و جماعته عن الحزب الحاكم إلى أن أقر الرئيس السابق الحبيب بورقيبة بالتعددية و اعترف بالجناح المنشق على حركة الوحدة الشعبية و بحركة الديموقراطيين الإشتراكيين و قام برفع الحضر عن نشاط الحزب الشيوعي الذي تحول إلى حركة التجديد. و لكن هذه الأحزاب تحولت منذ عشرين سنة إلى مساندة شبه مطلقة للنظام و انخرطت في دعم الإنقلاب الحاصل على الرئيس السابق بقطع النظر عن خلفيات هذا التحول في مواقفها.

كما أن المشروع الذي جاء بالإتحاد الديموقراطي الوحدوي تم تسخير عضو باللجنة المركزية للحزب الدستوري للقيام به و بمبادرة من السلطة التي دعمت أيضا أحد أقطاب حركة الديموقراطيين الإشتراكيين لتكوين الحزب الإجتماعي التحرري قبل أن تتخلص منه و تأتي بغيره من غير قواعده كما فعلت مع الأمين العام السابق للوحدوي و هي نفس الطريقة التي تم بموجبها تكوين حزب الخضر للتقدم الذي أوكلت مهمة إنشائه إلى الشخصية الثانية في الحزب الإجتماعي التحرري.

قد يكون من المؤسف أن يكون تاريخ ظهور تعدد الأحزاب في بلادنا على هذا المنوال و لكن التاريخ لا يعرف المجاملات و تؤكد كل مراحل وجود هذه الأحزاب منذ ولادتها إلى اليوم الذي نحن فيه حقيقة واحدة وهي أنها ناتجة عن عمليات توالد من نفس الأصل المعتل لم تنفصل تماما عنه بل أنها تحولت في العشريتين الأخيرتين إلى أحزاب تديرها المخابرات مباشرة أو عن بعد و لم يكن الهدف منها سوى الحيلولة دون ظهور أحزاب حقيقية مستقلة من صلب المجتمع تحكم زمام نفسها و تطور ممارستها الديموقراطية الذاتية و تكرس مرجعية منخرطيها في صياغة مواقفها وبناء برامجها و تكون مدرسة للتداول على المسؤولية و لمحاسبة قياداتها و تقدم معيارا لتقييم مدى شفافيتها.

لذلك لم تقم لحد اليوم تعددية حقيقية و لم ينتهي نظام الحزب الواحد و لم تتأسس ظروف التنافس السياسي النزيه و العمل الحزبي الحر داخل الفضاء العام طبق القواعد الديموقراطية. إن الأوهام التعددية التي تروج لها الدعاية الرسمية و ينخرط في تأكيدها بعض الديموقراطيين لا تتعدى الإرهاصات المتعاقبة داخل منظومة الإستبداد لم ترقى لحد اليوم للتأسيس لتعددية حقيقية تبشر بالديموقراطية.

 فالحزب المعارض القانوني في واقعنا هو ملك لصاحب الترخيص وإنشائه يتم بمقتضى المأموريه التي منح له الترخيص بهدف إتمامها أو الترتيبات التي وقعت معه على أن ينشط في إطارها. وهو ما يفسر بقائه حارسا وصيا على حزبه مدى حياته. و نكاد نجزم أنه لا يوجد حزب قانوني خرج عن هذه القاعدة لحد اليوم حتى لو كان الترخيص له استجابة لضغوط أجنبية. و هذه الوضعية تجعلنا نجد اليوم صعوبة كبيرة في استجلاء الخريطة السياسية في بلادنا بين أحزاب موالات و أحزاب متخاصمة مع السلطة و بين أحزاب قانونية معترف بها و أحزاب قانونية غير معترف بها و بين أحزاب مرخص لها و أحزاب غير مرخص لها. وهي وضعية خدمت و ستخدم السلطة لأن جوهر الصراع السياسي انحصر حول وضع هذه الأحزاب في علاقتها بالسلطة لأن مفهوم الشرعية نفسه لدى النخب السياسية تحول إلى الإعتراف به من طرف السلطة و لم يرتقي يوما إلى الشرعية الميدانية القائمة على التنافس حول وزنها و تمثيليتها داخل المجتمع. كما أنها وضعية لا يمكن أن تؤسس لتعددية فعلية و لا إلى ديموقراطية حقيقية و لا أن تقود إلى تداول على السلطة و بناء مؤسسات حقيقية و تكريس علوية القانون و المساواة في الحقوق و الواجبات. و حكمت على هذه الأحزاب بالترعرع في شكل تنظيمات هامشية لا صدى و لا سند لها. 

إن المقصود هنا ليس الطعن في شرعية المعارضة أو التنقيص من نضال المنتسبين إليها و لكن البحث عن نضرة عقلانية لفهمها ككيان و وزن قابليتها للوفاء بالدور الذي تتقدم بصفتها تلك للمجتمع على أنها قادرة على الإضطلاع به و تجاوز محنة المراهقة المزمنة التي تمر بها.

معارضة نخبوية تكرس الوصاية السياسية

إذا كانت المقصود بالديموقراطية وجود سلطة و معارضة فنحن نملك فعلا نملك سلطة و معارضة. و كما أن السلطة ليست سلطة إلا بالقهر و الإغتصاب فإن المعارضة ليست معارضة إلا بالشعارات و الخطاب. ذلك أن المقصود بالمعارضة ليس إرضاء أصحاب النحل و الأهواء من المثقفين و أصحاب السند المدعومين من المنبتين للشرق و الغرب الذين تتقاذفهم المصالح و المراهنات ولا يعكس تاريخهم ومواقفهم عدى أغرب التقلبات و التناقضات. فالمعارضة قبل كل شيء تعبير عن حقيقة تعددية داخل المجتمع يشترك أفرادها في مصالح و قيم و أهداف يجتمعون على الدفاع عنها لا لغصب حقوق غيرهم و لكن حتى لا تغبن حقوقهم بقدر وزنهم في المجتمع و حتي يكون ذلك كذلك لا يمكن أن تتأسس تعددية إلا من خلال ممارسة ديموقراطية في إطار من الشفافية بحيث تكون كل مجموعة بممارستها مصداقا لما ترفعه في خطابها و مدرسة للديموقراطية الحقيقية لقاعدتها الإجتماعية. و نعرف جميعا أننا اليوم لم نرتقي بعد إلى سياق هذه الوضعية و أن الأحزاب السياسية لا تنبثق عن قواعد اجتماعية و لا من مكونات منسجمة وواضحة. كما أن تجميد الحياة السياسية خلال العشريتين الماضيتين مع ما رافقهما من تغير جذري في بنية المجتمع و اختلال لميزان القوى بين مختلف مكوناته لم يكن القصد منه سوى حرمان الأغلبية من الطبقات الشعبية و الأجيال الصاعدة من الأدوات السياسية اللازمة لها للدفاع عن مكاسبها و حماية مصالحها.

لذلك لم يخرج الخطاب الأخير عن منهج تكريس الوصاية السياسية للسلطة على المجتمع و تشبث بوسائل التحكم في توجيه سير الأحزاب السياسية سواء كانت حزبا حاكما أو أحزاب معارضة. بل أن كل الإجراءات السياسية المعلن عنها جاءت دعما لهذا المنهج و تفعيلا لهذه الوسائل و ذلك ليس بقصد دعم الممارسة الديموقراطية و إنما للتصدي لعودة ظهورها و ذلك بتمكين أعوانها من وسائل أكبر للعمل بما يدعم مركزهم في وجه كل رموز حقيقية قد تعترضهم داخل تنظيماتهم. و لعله من المفيد التنبيه هنا إلى أن الديموقراطية لا تتحقق بقرارات رئاسية و لا بمراسي و قوانين و إنما بالممارسة الفعلية التي تعكسها تصرفات المجموعات المنظمة في إدارة شؤونها من خلال شفافية و نزاهة القواعد التي تحتكم لها في مختلف أوجه عملها. و لا يختلف الوضع بينها سواء كانت جمعيات أو نقابات أو أحزاب. لذلك فإن حالة الإستبداد قائمة أساسا بسبب غياب تكريس مثل هذه الممارسة المناقضة لوجود لوجود الإستبداد من أصله.

لا نستغرب مواقف أحزاب "المعارضة" التي أسسها نظام السابع من نوفمبر أو طوعها لمسانده احتكاره للسلطة و تدعيم استبداده إذ لا غرابة أن نجد كل أمنائها العامين من الموسمين بأرفع الأوسمة التي لا تمنح إلا لرجال هذا النظام[4] و لكننا نستغرب مواقع الأحزاب الأخرى سواء من خلال صمتها أو نبرة ترددها و هي لا تخفي توهمها أن مضاعفة المنحة المسندة لها قد يساعد على تدعيم وسائل عملها و أن توسيع حصتها في البرلمان سيزيد من حضورها و هي مواقف جعلت الكثيرين لا يرون في تجديد حركة التجديد لا يختلف في شيء عن تغيير عهد التغيير.

إننا لا نشك لحظة في أن أقصى انتصار يمكن أن نحققه على الدكتاتورية عن طريق معارضة على هذا المنوال لن يتعدى الفوز بتجديد عقد إيجار لمقر حزب الأستاذ الشابي أو بطاقة عبور للأستاذ النوري لا بفعل ضغط المساندة الشعبية و لكن بتدخل الوساطات الخارجية في حين يبقى رموزها يصفعون و يجرون في الشوارع كاللصوص و المنحرفين حتى ينتهي بهم الأمر إلى الإنفصام أو الهجرة و مخاطبتنا عبر الفضائيات.

همجية و مجانية صورة العصا لا تختلف عن بؤس و تخلف طبيعة الجزرة التي يلوح بها الإستبداد للطامعين من عطايا و مواقع[5]  ليحولهم أعيانا و وجهاء في مجالسه و خططه. لذلك تبدو لنا تلك القراءات المنافقة لخطاب العشرينية لا تعبر عن عجز عن استيعاب حقيقة المرحلة و قراءة معالم الإستراتيجية و إنما مؤشرات ترنح تسبق السقوط تكاد حروفها تذوب من سيلان لعابها وسيبقى أصحابها مهما ارتووا تائهين في صحراء لا تنتهي أمواجها.


[1] - تراجع هذه المواقف على الروابط التالية :

1.       الأحزاب السياسية تثمن مضامين خطاب رئيس الجمهورية

2.       حركة الديمقراطيين الاشتراكيين تثمن الإجراءات التي تضمنها خطاب الرئيس زين العابدين بن علي

3.      حزب الوحدة الشعبية : خطاب رئيس الدولة جاء في مستوى تطلعات المناضلين من أجل الديمقراطية والتقدم

4.       حزب الخضر للتقدم: مضامين خطاب العشرينية تجسد تفاعل رئيس الدولة الايجابي والصادق مع المشاغل الحقيقية للبلاد

5.      الحزب الاجتماعي التحرري: خطاب العشرينية ابرز مجددا الحرص الرئاسي على التقدم بالخيار الديمقراطي نحو أفق جديد

[2] - يراجع بيان حركة التجديد :  http://tajdid.pdpinfo.org/articlear.php3?id_article=6385<...

[3] - سمير عبد الله: بعد الإجراءات الرئاسية المعلنةالكرة الآن في ملعب المعارضة! (الصباح 10 نوفمبر 2007)

[4]  - الصنف الاكبرمن وسام 7 نوفمبر

ـ محمد بوشيحة الامين العام لحزب الوحدة الشعبية

ـ اسماعيل بولحية الامين العام لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين

الصنف الاول

ـ احمد الاينوبلي الامين العام للاتحاد الديمقراطي الوحدوي

الصنف الثاني

ـ المنجي الخماسي الامين العام لحزب الخضر للتقدم

ـ منذر ثابت الامين العام للحزب الاجتماعي التحرري

[5]  -ورد بخطاب 7 نوفمبر2007 الإعلان عن قرار الرئيس بن على مضاعفة المنحة الممنوحة لأحزاب المعارضة و جرائدها و توسيع حصتها في المجالس التشريعية و البلدية إلى 25 في المائة مهما كان عدد الأصوات المتحصل عليه من طرف مرشحيها.

15:53 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, 7 novembre, Dictature, Opposition

06.11.2007

معارضة لا مشروعية مجتمعية لبرامجها وحكومة لا مشروعية مجتمعية لتواجدها في الحكم

بقلم حافظ بن عثمان

ad3258a9c1ca4698f6111191ef3ba86b.jpgبعد أيام قليلة يهل علينا هلال السابع من نوفمبر ليصبح مجموع الحساب الشمسي 20 سنة بالتمام والكمال20 سنة مرت كأنها لم تكن وما أسرع الأيام في انقضائها ويوم يقول المجرمون ما لبثنا إلا قليلا.وفي مثل هذه المناسبات تكثر التقييمات والحسابات والتكهنات والعرافة السياسية بماذا سيأتي يوم 8 نوفمبر بجديد.

رغم أن الأمر في مجموعه لا يستحق كل هذا الضجيج لأن الأحلام و الأماني لا تحق حقا و لا تبطل باطلا أقول هذا الكلام ليس تشاءما لكن وأنا السامع لمختلف الخطابات من أقصى اليمين لأقصى اليسار من خطابات السلطة الممجدة إلى خطابات المعارضة التي تريد أن تعارض فتخطئ الهدف مرورا بالمعارضة التي لا تعارض فان المشهد التونسي كما هو وكما عهدناه خطابات سلطوية متطرفة في الإبداع حتى أنهم لم يتركوا شيئا يستحق أن يفعل إلا و فعلوه وعلى هذا الأساس نم هنيئا مريئا يا أيها المواطن فان لك والله ما لا تقدر نعمته فتشكر وإنكم يا أيها القوم لجاحدون حاسدون !!.

وفي المقابل تجد خطابات لمعارضة ترغب في فعل المعارضة فلا تقدر إلا على قول والله أعلم بما يقولون وهم واثقون وموافقون على أن أمر التغيير حان ولم يعد يفصل عنه إلا لحظات يخرج فيها فارس بنو عبس و بنوهمام ليعيد الأمور إلى نصابها مشهد مؤلم مضحك ومفزع يتقاسم فيه الأدوار المهرجون السياسويون نسبة لفعل سياسة لا يفعل والساسيون نسبة لساس يسيس أي يطلب متاع الله ومن اعتز بغير الله ذل. 

 منذ أيام كنت أفكر في كتابة شيء ما عن قفا نبك بين الحبيب وعابدين على تونس بين عهدين فإذا بي أجد نفسي معني بالحديث عن معارضتنا التي لا تعارض وستفهم يا صديقي سبب انزعاجي ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم إن أخذت خطابات السادة الأمناء للأحزاب السياسية في تونس منذ خمس سنوات وليس 20 سنة أو أكثر تجد أغلب الخطابات غارقة بين أوهام الأيديولوجيا و أحلام العانسات في زوج لن يأتي.

 تجد في هذه الخطابات ما يقارب 99 بالمائة خطاب هجومي على السلطة ولست هنا لأدافع عنها أو أقول أنه ليس صحيحا ما يقولونه بل ما أريد أن أعيب عليه معارضتنا أنها حقيقة لا تتطور و لا تراكم و لا تراجع و لا تتراجع لحجمها الحقيقي و لا تريد أن تفهم أنها لن تقدر على تطوير الأوضاع و القيام بدور المعارضة ما لم تعي فعلا بحجمها الحقيقي والواقعي .و أنه إذا كان هناك بين السلطة والشعب فجوة بإمكانها أن تتسلل منها وتلعب عليها سياسيا فان بينها وبين الشعب جفوة وإنها فعلا تبقى أحزاب لا تمثل إلا عدد منخرطيها اللذين أتحدى أي حزب أن يتجاوز عدد منخرطيه الألف وفي هذا العدد سعة وتفاؤل. 

إذا أين المشكلة وهل إني استهزأ أو هل إنني أقنط الناس من رحمة المعارضة لا بل أريد فقط على المعارضة أن تفهم أن خللها الحقيقي ليس فقط في نظام الاستبداد و أن خللها ليس فقط في شعاراتها التي ترفعها في السماء بينما المواطنون يعيشون فوق الأرض في المعامل و الأسواق في الأحياء الشعبية والراقية بين القبور والقصور في المساجد وفي المقاهي.

 إن كانت رسالتكم رسالتنا كمعارضة تستهدف هؤلاء الناس فلننزل إليهم أين يوجدون و لنتكلم يرحمكم الله كلاما يفهمونه ولنجعل برامجنا من همهم وطموحاتهم و أحلامهم ولا نجعل همنا وطموحاتنا و أحلامنا برامجهم .

على معارضتنا أن تطور وتغير من استراتيجياتها ومن خطابها حتى تستطيع أن تصبح قادرة على التعبئة ضد الاستبداد وان تحقق فعلا توازن القوى الذي يدفع النظام السلطوي للتنازل و إلا فلن يقع توازن ولن يقع تغيير لأن السلطة الداخلية متأكدة من هشاشة المعارضة ومحدودية عمقها المجتمعي لذلك فلن تستطيع أن تعطيها أكثر من حقها في التعامل السياسي.

 إن الحزب الحاكم رغم انه قد يكون يعاني من نفس عدم الامتداد المجتمعي الحقيقي إلا انه دائما يبدوا قادرا على التعبئة ترغيبا وترهيبا وقادر على المراوغة والمناورة والتحكم في اللعبة السياسية مادامت أحزابنا المعارضة هي نفسها لا تمارس السياسة وتضع نفسها في ساحة عارية الصدر وبدون ظهر مجتمعي يسندها.

إن معارضة بدون قيادات متجددة وبدون قيادات شابة لن تتمكن من التأثير في الفعل السياسي نحو الأفضل نفس الوجوه ونفس الخطاب يقول لي أن معارضتنا لا تقل إفلاسا عن النظام في ما يخص علاقتها وتمثيليتها المجتمعية إن حالنا حال معارضة لا تعارض لأنها بدون قوة بشرية تسندها وبدون برامج واقعية ولها القدرة التمثيلية والخلل فيها. و حكومتنا حكومة لا تحكم لأنها لا تمثل إلا صندوق خشبي امتلئ بأوراق يانصيب يوم أحد.

 إننا بين معارضة لا مشروعية مجتمعية لبرامجها وحكومة لا مشروعية مجتمعية لتواجدها في الحكم

حافظ بن عثمان - شبكة الحوار الإعلامية – 5 نوفمبر 2007

01:10 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Opposition, Pouvoir, Dictature

10.10.2007

أوهام المعارضة التونسية

محمد عمامي

منذ انفجار الوفاق الوطني وسقوط الإجماع حول بن على في بداية الألفية الثالثة، تطورت حركة معارضة ديموقراطية لنظامه تتسم عموما بالنخبوية وسيادة روح الفردانية في الأشكال النضالية حتى تحول إضراب الجوع الذي عهدناه في العقود الماضية شكلا خاصا بالمساجين الذين لا حيلة لهم سوى مخاطبة الضمير الإنساني للسجان واستدرار عطف قوى الضغط عليه، إلى شكل نضالي مهيمن في صفوف المعارضة التي عملت على تصنيع أسطورة الموت من أجل الحرية مكان العيش من أجلها.

وإذا كانت استعمالات إضراب الجوع الأولى من طرف أفراد معزولين محاصرين في جميع شؤونهم الخاصة والمهنية، ضمن سياق شبيه بالسجن، في مواجهة أجهزة بوليسية في أوج عربدتها وفي غياب شبه كلي لقوى إسناد منظمة، فإن استهلاك هذا الشكل في ما بعد بصورة متكررة من طرف أحزاب وأحلاف حزبية قد غيّر من محتواه ونزله ضمن مدلول جديد أصبح مميزا للمعارضة التونسية. فما هو ذلك المدلول وما الذي يجعل المعارضة التونسية أحزابا وأحلافا تستلهم تجربة أفراد محاصرين/مسجونين؟

 الوهم الأوّل: الشعب المستكين الذي لا فائدة ترجى منه!

لا شك أن المعارضة الديموقراطية تتعرض لأبشع أنواع التنكيل من قبل نظام بوليسي لا يمكنه أن يستوعب مطالبها ولو كانت أدنى الأدنى مثل المطالب الثلاث لحركة 18 أكتوبر والتي لا تهدد كيانه في شيء ولا تدعو إلى إسقاطه ولا حتى إلى عدم ترشيح بن على لدورة أخرى وهو هاجسه الحالي، أو أية إصلاحات جذرية للدستور، بل كل ما تطالب به هو العفو التشريعي العام وحرية التنظم وحرية الإعلام.

Lire la suite

19:35 Ecrit par Mokhtar YAHYAOUI dans Politique | Lien permanent | Commentaires (0) | Envoyer cette note | Tags : Tunisie, Dictature, Opposition

30.07.2007

الثلاثية الحزينة: الطغاة والغلاة والغزاة

حقاً إنها ثلاثية حزينة ولكنها معبرة وجامعة لكل معاناة ما كنا نطلق عليه الوطن العربي ونسميه الآن الأقطار العربية وأحياناً نطلق عليه منطقة الشرق الأوسط من باب القربي لأولي الأمر. 

وأول مرة أسمع فيها هذا الاصطلاح كانت في ندوة عقدت علي هامش اجتماعات مجلس إدارة المعهد العربي لحقوق الإنسان الذي أشرف بعضويته مع نخبة من خيرة أبناء هذه الأمة المؤمنين إيماناً راسخاً بقضية حقوق الإنسان. 

وفي تلك الندوة تحدث شاب أكاديمي جزائري درس القانون في واحدة من جامعات فرنسا الكبيرة ويعمل الآن مستشاراً في قطر وقال هذه العبارة، ولما ذهبت إليه مستحسناً هذه العبارة قال لي إنها من إبداعات السيد الصادق المهدي رئيس وزراء السودان الأسبق وأحد كبار المثقفين في أمة العرب. 

نعم.. الطغاة والغلاة والغزاة، اجتمع الثلاثة علينا فانتهي أمرنا إلي ما انتهي إليه من هوان وتمزق وتخلف وضياع. 

أما الطغاة فهم حكامنا في كل أقطار العروبة حتي وإن اختلفت «وقاحة» الطغيان وجبروته، وإن اختلف نظام الحكم بين ملكي وجمهوري، ولبس بعض الطغاة قناعاً يطلق عليه بعض الأوصاف التي لا تنطلي علي أحد من مثل الإصلاحية أو الدستورية أو حتي الديمقراطية، ولكن الجامع بينهم جميعاً ومنذ أمد بعيد ـ منذ عهد معاوية ابن أبي سفيان ـ أنهم جميعاً طغاة. فما التعريف العلمي للطاغية في الزمن الذي نعيش فيه؟ 

الطاغية ليس هو نيرون روما فالعصر لا يسمح بهذا النوع من الطغاة، ولكن الطاغية في عصرنا هو الذي لا يؤمن بسيادة القانون فعلاً وإن رددها بلسانه قولاً، الطاغية هو الذي يتصور أنه قادر علي المنح والمنع وأنه لا راد لإرادته وأنه فوق القانون وإن قال العكس. 

الطاغية هو الذي يريد أن يبقي جاثماً علي أنفاس المحكومين لأنه لا يتصور حياة الناس ولا نظاماً ولا استقراراً إلا بوجوده علي رأسهم، هذا هو الطاغية في عرف هذا الزمان. 

في أحد الأقطار العربية قرأت العبارة الآتية في تمجيد السيد الرئيس، تقول العبارة وأنا أنقلها بنصها: «وقفة الإكبار والامتنان لمنقذ.. ومنقذ الجمهورية وباني جمهورية الغد الرئيس..».

Lire la suite