29.03.2008

الإنتخابات: خيارات و انتظارات

لا شك أن السلطة في الوضع الحالي الذي تمر به بلادنا لا تزال تحتل موقعا مريحا لإملاء مختلف اختياراتها بشكل أحادي رغم ما تحاول التمويه به من تحريك لبعض الأجهزة القائمة على الولاء لإعطائها صبغة استشارية. و لكن خيارات السلطة أصبحت في الفترة الأخيرة تكشف بصفة جلية عدم توافقها مع انتظارات المجتمع.

و لسنا في حاجة في هذا المجال لتعديد الشواهد و الأمثلة على ذلك سواء ما بلغ حالة المصادمة و الإحتقان مثلما هو الشأن مع تنظيمات المجتمع المدني و أحزاب المعارضة الديموقراطية و الإسلامية و بعض القطاعات الرمزية الحيوية مثل المحاماة و القضاء و الصحافة و التعليم و الصحة و الأساتذة الجامعيين أو ما بقي رغم إحتوائه مختزنا لكم هائل من الغبن و خيبة الأمل وشعور بالخيبة كما هو الوضع في علاقتها بالإتحاد العام التونسي للشغل و أحزاب المعارضة التقليدية أو بمواطني الجهات الداخلية إنطلاقا من الشمال الغربي و حتى الجنوب الشرقي و التي لم تكن الأحداث الأخيرة في الحوض المنجمي بقفصة سوى مؤشرا عن حقيقة الأوضاع فيها.

لذلك و حتى لا تغالطنا بعض المقولات الدعائية للسلطة حول أدائها السياسي فإننا لا بد أن ننتبه إلى أننا بلغنا وضعا بلغت فيه السلطة مستوى العجز في التعامل السياسي مع المجتمع بمختلف مقوماته و لم يعد الفساد و الظلم و المحسوبية سوى مؤشرا على المصالح الحقيقية التي تقف ورائه.

و من هذا المنطلق تتنزل الإنتخابات الرئاسية و التشريعية لسنة 2009 كمحطة تاريخية هامة في إختبار خيارات السلطة في مواجهة إنتظارات المجتمع. و حتى نترك هنا مسافة بيننا و بين المقولات التي لا تستند على أساس واقعي أو موضوعي عدى التهيئات التي تسكن أصحابها فإنني لا أرى مع الوضع الحالي أن هذه الإنتخابات قد تشكل فرصة للتداول على السلطة لسبب بسيط وهو غياب تشكل منظومة أو بديل منسجم يملك من الوضوح والكفاءات ما يؤهله للتقدم كخيار بديل عن السلطة القائمة حتى في صورة توفر شروط إنتخابات حقيقية. فما ينتظره المجتمع التونسي اليوم بمناسبة هذه الإنتخابات ليس إتاحة الخيار أمامه بين سلطة قائمة و سلطة معارضة و إنما تغيير التعامل معه من مجتمع مسير إلى مجتمع مخير و تمكينه من فرصة حقيقية في إنتخاب من يثق بهم لحكمه خلال المرحلة القادمة.

و هكذا يأتي طرح فكرة تعديل الدستور المعلن عليه مؤخرا بقطع النظر عن المقاصد الحقيقية من ورائها مناسبة للحوار و الضغط في سبيل تكريس تغيير نهج التعامل مع إنتظارات المجتمع بتمكينه من الإفصاح عنها و تطوير البناء السياسي للسلطة بحسب ما تفرزه إرادته باعتبار ذلك السبيل الوحيد لتجنب الوصول إلى حالة لا يملك أحد السيطرة عليها.

إن هذا المنهح فضلا عن اختباره و نجاحه في تجاوز المواجهة التي كادت أن تعصف بكثير من القطاعات بداية من المؤتمر الأخير للإتحاد العام التونسي للشغل ثم الهيئة الوطنية للمحامين ووصولا للمؤتمر الأخير لجمعية الصحافيين قد أثبت نجاعته و مستوى النضج الذي أصبح عليه التونسيون اليوم كلما سمح لهم بقول كلمتهم و يبدوا الأنسب للإختبار اليوم على المستوى الوطني بعيدا عن كل استثناء أو إقصاء فضلا عن التقاء الكثيرين داخل المعارضة نفسها على مختلف أطيافها للمناداة باعتماده دون أن يكون القبول بالإلتقاء مع السلطة نفيا لقناعاتهم لإننا بذلك نكون قد ساهمنا في توفير الأرضية الضرورية لتشكل البدائل الثرية اللازمة لكل تعددية حقيقية.

المختار اليحياوي – 28 مارس 2008