29.07.2007

الممرضات والعقيد

يصلح هذا العنوان لرواية خيالية، فالعقيد تفوّق على جميع نظرائه من الحكّام العرب، في القدرة على تجاوز الخيال. من محاولاته الفلسفية في "الكتاب الأخضر"، الى مجموعته القصصية، الى جنوحه الافريقي، فإلى خيمته وابله والى آخره...

الرجل الذي يحكم ليبيا منذ اعوام لا تحصى، لا يملّ من العروض الممسرحة. فهو لا يستطيع اخلاء المشهد، كأنه اصيب بإدمان على السلطة والشهرة، وصار اسير صورته التي لا يرى سواها. مشكلته ان خريفه ليس بطريركيا، على الطريقة الماركيزية. فقد انحدر العقيد من الواقعية السحرية التي تلفّع بها في كتابه الأخضر، الى مستوى القصص البوليسية الرديئة التي يعرف القارئ نهايتها منذ السطر الأول. انفضّ عنه سيل المثقفين العرب الذين دبّجوا المدائح لمحاولته الفلسفية التافهة، ولم يستطع ان ينجح في التحول من فيلسوف الى كاتب قصصي، فذهبت مجموعته القصصية هباء، وخاف من مصير زميله الروائي صدام حسين، فتوقف عن الكتابة، وارتضى الخنوع، وقام ببهدلة كل شيء في بلاده، وانتهت به الحال الى شرشحة القضاء في مسألة الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني.

لا نستطيع ان نسأل العقيد من عقّده على بلاده، فهو ابن اللعبة الانقلابية، التي تحولت بعد غياب جمال عبد الناصر الى مرض العرب الأول، لكن يحق لنا ان نسأل المثقفين والمثقفات العرب، الذين كانت تمتلئ بهم اروقة المؤتمرات في طرابلس الغرب، ماذا حل بثقافتهم، وكيف لا يخجلون من مواصلة بيع البضاعة نفسها؟

Lire la suite

28.05.2007

لندون من أجل المغرب الكبير

يعتبر ابن خلدون بالنسبة لوحدة المغرب الكبير بمثابة ماكيافيل بالنسبة لوحدة إيطاليا و لئن نجح مشروع مكيافال و تحقق فإن ابن خلدون و إن تعطل مشروعه قد فاق ماكيافال إبداعا في علوم الحضارة و الإجتماع و التاريخ.

فقد إلتقى على المغرب ثلاث مشاريع وحدة متباينة:

-          مشروع اللإستعمار الفرنسي و حلم إستعادة المنطقة إلى المجال الإفرنجي المسيحي

-          مشروع الوحدة العربية الحالم بالقضاء نهائيا على الخصوصية الذاتية لبلاد المغرب

-          مشروع البناء الذاتي لهذا الوطن الطبيعي و التاريخي الواحد و الذي كرس له ابن خلدون كل طموح شبابه في العمل السياسي ثم انكب لما يئس من تحقيقه في عصره على تدوينه في أروع ما أنتجه في كتابه الضخم المعروف بكتاب العبر و ديوان المبتدأ و الخبر و الذي شكلت مقدمته أحد أمهات الكتب و مفاتيح العلوم إلى هذا العصر.

لذلك تبدو اليوم الحاجة ملحة للعودة لفكر و تحاليل و منهج ابن خلدون و نحن نشهد مآزق الدول الوطنية القائمة في مختلف اجزائه و ندرك أن لا بقاء لهذه الدول و لا مخرج لشعوبها في ضل الواقع الذي نعيشه اليوم سوى بتجاوز تشتتها و تناحرها و لم شملها و تعاونها.

المغرب الكبير: المشروع الخلدوني
medium_Maghreb.JPG

تعريف المغرب :

يقول ابن خلدون "أن لفظ المغرب في أصل وضعه اسم إضافي يدل على مكان من الأمكنة بإضافته إلى جهة المشرق و لفظ الشرق كذلك بإضافته لجهة المغرب فكل مكان من الأرض مغرب بالإضافة إلى جهة المشرق و مشرق بالإضافة إلى جهة المغرب... و عرف أهل الجغرافيا مثل بطليموس و رجار و أمثالهم أن المغرب قطر واحد مميز بين الأقطار."

و يبدو من التعريف أن المغرب اسم تاريخي أصيل للمنطقة و أنه ليس اصطلاحا عربيا لتحديد منطقته في مقابل الشرق كما أنه لا يخص بلاد المغرب الأقصى الحالية و التي تنسب إلى مراكش كما تدل عليه تسميتها الفرنسية (Maroc) و المختلفة عن عبارة (Maghreb) التي تطلق على كامل المنطقة.

تحديد المغرب :

يقول ابن خلدون " حد المغرب من جهة الغرب بحر المحيط و تسميه الأعاجم بحر أوقيانوس وهو بحر كبير غير منحصر إذ لا غاية للعمران وراءه" و يعني به المحيط الأطلسي الذي يشكل نهاية الأرض المعروفة في عصره قبل اكتشاف القارة الأمريكية. " و عليه مدن مثل طنجة و سلا أزمور و أنفي و أسفي... و هي كلها من مساكن البربر و حواضرهم."

أما "حد المغرب من جهة الشمال فهو البحر الرومي المتفرع عن البحر المحيط يخرج من خليج متضايق بين طنجة من بلاد المغرب و ضريف من بلاد الأندلس بعرض ثمانية أميال ثم يذهب هذا البحر الرومي في سمت الشرق إلى أن ينتهي إلى سواحل الشام." و يقصد ابن خلدون بالبحر الرومي البحر الأبيض المتوسط.

أما حده من جهة القبلة و الجنوب "فالرمال المتهيّـلة الماثلة حاجزا بين بلاد السودان و بلاد البربر " و هذا العرق سياج على المغرب من جهة الجنوب مبتدءا من البحر المحيط و ذاهب في جهة الشرق على سمت واحد إلى أن يعترضه النيل. و من دون هذا العرق سياج آخر على المغرب مما يلي التلول منه وهي الجبال التي هي تخوم تلك التلول ممتدة من لدن البحر المحيط من الغرب إلى برنيق من بلاد برقة و هنالك تنقطع الجبال.

أماحده من جهة الشرق فيختلف باختلاف الإصطلاحات. فعرف أهل الجغرافيا أنه بحر أهل القلزم ( البحر الأحمر حاليا) و كان المغرب عندهم جزيرة أحاط بها البحر من ثلاث جهات. أما الجاري لهذا العهد بين سكان هذه الإقاليم فلا يدخل فيه إقليم مصر و لا برقة و إنما يختص بطرابلس و ما وراءها إلى جهة المغرب في هذا العرف لهذا العهد. و هذا الذي كان في القديم ديارا للبربر و مواطنهم.

أقاليم المغرب :

المغرب الأقصى : هو ما بين وادي ملوية من جهة الشرق إلى أسفي حاضرة البحر المحيط و جبال درن من جهة الغرب. و هو في الأغلب ديار المصامدة و برغوطة و غمارة. و آخر غمارة بطوية مما يلي غساسة و معهم عوالم من صنهاجة و مطغرة و أوربة.

و يحيط بالمغرب الأقصى البحر الكبير من غربيه و البحر الرومي من شماليه و الجبال الصاعدة المتكاثفة مثل درن من جانب القبلة و تازي من جهة الشرق.

و يمر بالمغرب الأقصى النهر الكبير المعروف بوادي الربيع. و منبعه من جبال درن و يتساهل إلى بسيط المغرب و مصبه في البحر الكبير عند أزمور. و ينبع أيضا من جبال درن نهر آخر ينحدر إلى القبلة و يمر ببلاد درعة و يجاورها إلى أن يغوص في الرمل قبلة بلاد السوس. و أما نهر ملوية آخر المغرب الأقصى منبعه من فوهة في جبال قبلة تازي و يصب في البحر الرومي عند غساسة.  و ينبع من فوهة هذا النهر نهر كبير ينحدر ذاهبا إلى القبلة مشرقا و يقطع العرق إلى أن ينتهي إلى بودة ثم بعدها إلى تمنطيط إلى أن يصب في القفار.

المغرب الأوسط : فهو في الأغلب ديار زناته و قاعدته تلمسان و يجاوره من جهة المشرق بلاد صنهاجة من الجزائر و متيجة و المرية و ما يليها إلى بجاية و قبائله لهذا العهد كلهم مغلوبون للعرب. و يمر في وادي الشلف التهر الأعضم منبعه في بلاد الصحراء و يدخل إلى التل ثم يمر مغربا و يجتمع فيه سائر أودية المغرب الأوسط إلى أن يصب في البحر الرزمي بين كليتوا و مستغانم و ينبع من فوهته نهر آخر يذهب مشرقا و يمر ببلاد الزابإلى أن يصب في سبخة بين توزر و نفزاوة. و يسمى واد شدّي.

أما بلاد بجاية و قسنطينة فهي دار زواوة و كتامة و عجيسة و هوارة و هي اليوم ديار للعرب إلا ممتنع الجبال.

إفريقية : أما إفريقية كلها إلى طرابلس فبسائط فيح كانت ديارا لنفزاوة و نفوسة و من لا يحصى من قبائل البربر. و هي لهذا العهذ مجالات للعرب من سليم و بنو يفرن و هوارة مغلوبون تحت أيديهم. و فد تبدوا معهم و نسوا رطانة الأعاجم و تكلموا بلغات العرب و تحلوا بشعارهم في جميع أحوالهم.

و قاعدتها لهذا العهد تونس و هي دار ملكها و يمر فيها النهر الأعظم المعروف بوادي مجردة يجتمع فيه سائر الأودية بها و يصب في البحر الرومي على مرحلة من غرب تونس بموضع يعرف ببنزرت.

أما برقة فدوست معالمها و خربت أمصارها و انقرض أمرها. و عادت مجالات للعرب بعد أن كانت دار للواته و هوارة وغيرهم من البربر و كانت بها الأمصار المستبحرة مثل لبدة و زويلة و برقة و قصر حسان و أمثالها فعادت يبابا و مفوز كإن لم تكن. (يتبع)